﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ وذلك لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير، ولكن في عدم طلب الرزق لا يكفي كون المستغني بحيث يرزق واحداً فإن كثيراً من الناس يرزق ولده وغيره ويسترزق والملك يرزق الجند ويسترزق، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب، لأن المسترزق ممن يكثر الرزق لا يسترزق من رزقه، فلم يكن ذلك المقصود يحصل له إلا بالمبالغة في وصف الرزق، فقال :﴿الرَّزَّاقُ﴾ وأما ما يغني عن الاستعانة بالغير فدون ذلك : وذلك لأن القوي إذا كان في غاية القوة يعين الغير فإذا كان دون ذلك لا يعين غيره ولا يستعين به، وإذا كان دون ذلك يستعين استعانة ما وتتفاوت بعد ذلك، ولما قال :﴿وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ كفاه بيان نفس القوة فقال :﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ إفادة معنى القوة دون القوى لأن ذا لا يقال في الوصف اللازم البين فيقال في الآدمي ذو مال ومتمول وذو جمال وجميل وذو خلق حسن وخليق إلى غير ذلك مما لا يلزمه لزوماً بيناً، ولا يقال في الثلاثة ذات فردية ولا في الأربعة ذات زوجية، ولهذا لم يرد في الأوصاف الحقيقية التي ليست مأخوذة من الأفعال ولذا لم يسمع ذو الوجود وذو الحياة ولا ذو العلم ويقال في الإنسان ذو علم وذو حياة لأنها عرض فيه عارض لا لازم بين، وفي صفات الفعل يقال الله تعالى ذو الفضل كثيراً وذو الخلق قليلاً لأن ذا كذا بمعنى صاحبه وربه والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلاً عن اللزوم البين، والذي يؤيد هذا هو أنه تعالى قال :﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف : ٧٦) فجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذي العلم والعليم فرق وكذلك بين ذي القوة والقوي، ويؤيده أيضاً أنه تعالى قال :﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّه إِنَّه قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (غافر : ٢٢) وقال تعالى :﴿اللَّهُ لَطِيفُا بِعِبَادِه يَرْزُقُ مَن يَشَآءُا وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ (الشورى : ١٩) وقال تعالى :﴿لاغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى ا إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة : ٢١) لأن في هذه الصور كان المراد بيان القيام بالأفعال العظيمة والمراد ههنا عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه من القوة قدر ما، ومن يقوم مستبداً /بالفعل لا بد له من قوة عظيمة، لأن عدم الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عنه، ولو بين هذا البحث في معرض الجواب عن سؤال سائل عن الفرق بين قوله
جزء : ٢٨ رقم الصفحة : ١٩٨
﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ ههنا وبين قوله ﴿قَوِىٌّ﴾ في تلك المواضع لكان أحسن، فإن قيل فقد قال تعالى :﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُه وَرُسُلَه بِالْغَيْبِا إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد : ٢٥) وفيه ما ذكرت من المعنى وذلك لأن قوله ﴿قَوِىٌّ﴾ لبيان أنه غير محتاج إلى النصرة وإنما يريد أن يعلم ليثيب الناصر، لكن عدم الاحتياج إلى النصرة يكفي فيه قوة ما، فلم لم يقل إن الله ذو القوة ؟
نقول فيه إنه تعالى قال من ينصره ورسله، ومعناه أنه يغني رسله عن الحاجة ولا يطلب نصرتهم من خلقه ليعجزهم وإنما يطلبها لثواب الناصرين لا لاحتياج المستنصرين وإلا فالله تعالى وعدهم بالنصر حيث قال :﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ (الصافات : ١٧١، ١٧٢) ولما ذكر الرسل قال قوي يكون ذلك تقوية تقارب رسله المؤمنين، وتسلية لصدورهم وصدور المؤمنين.
البحث الثاني : قال :﴿الْمَتِينُ﴾ وذلك لأن ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ كما بينا لا يدل إلا على أن له قوة ما فزاد في الوصف بياناً وهو الذي له ثبات لا يتزلزل وهو مع المتين من باب واحد لفظاً ومعنى فإن متن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته، والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن، والمتانة مع القوة كالعزة مع القوة حيث ذكر الله تعالى في مواضع ذكر القوة والعزة فقال :﴿قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد : ٢٥) وقال ﴿الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ (هود : ٦٦).
وفيه لطيفة تؤيد ما ذكرنا من البحث في القوي وذي القوة، وذلك لأن المتين هو الثابت الذي لا يتزلزل والعزيز هو الغالب، ففي المتين أنه لا يغلب ولا يقهر ولا يهزم، وفي العزيز أنه يغلب ويقهر ويزل الأقدام، والعزة أكمل من المتانة، كما أن القوي أكمل من ذي القوة، فقرن الأكمل بالأكمل وما دونه بما دونه، ولو نظرت حق النظر وتأملت حق التأمل لرأيت في كتاب الله تعالى لطائف تنبهك على عناد المنكرين وقبح إنكار المعاندين.
جزء : ٢٨ رقم الصفحة : ١٩٨
وهو مناسب لما قبله وذلك لأنه تعالى بيّن أن من يضع نفسه في موضع عبادة غير الله يكون وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالماً، فقال إذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة فإن الذين ظلموا بعبادة الغير لهم هلاك مثل هلاك من تقدم، وذلك لأن الشيء إذا خرج عن الانتفاع المطلوب منه، لا يحفظ وإن كان في موضع يخلي المكان عنه، ألا ترى أن الدابة التي لا يبقى منتفعاً بها بالموت أو بمرض يخلي عنها الإصطبل، والطعام الذي يتعفن يبدد ويفرغ منه الإناء، فكذلك الكافر /إذا ظلم، ووضع نفسه في غير موضعه، خرج عن الانتفاع فحسن إخلاء المكان عنه وحق نزول الهلاك به، وفي التفسير مسائل :
المسألة الأولى : فيما يتعلق به الفاء، وقد ذكرنا لك في وجه التعلق.
المسألة الثانية : ما مناسبة الذنوب ؟
نقول العذاب مصبوب عليهم، كأنه قال تعالى نصب من فوق رؤوسهم ذنوباً كذنوب صب فوق رؤوس أولئك، ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من الآبار على النوبة ذنوباً فذنوباً وذلك وقت عيشهم الطيب، فكأنه تعالى قال :﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ من الدنيا وطيباتها ﴿ذَنُوبًا﴾ أي ملاء، ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب، كما كان عليه حال أصحابهم استقوا ذبوباً وتركوها، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك، وإنما هو رغد العيش وهو أليق بالعربية، وقوله تعالى :﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ فإن الرزق ما لم يفرغ لا يأتي الأجل.
ثم أعاد ما ذكر في أول السورة فقال :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾.
والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
جزء : ٢٨ رقم الصفحة : ١٩٨


الصفحة التالية
Icon