﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَا وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة. والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى :﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة : ١١٨)، لا يليق بالكفار، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلاً عند الخصم، وإذا كان كذلك لم يكن قوله :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ لائقاً بهم وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال : إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد صلى الله عليه وسلّم ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وثانيها : قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام :﴿فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّه مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فقوله :﴿وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (إبراهيم : ٣٦) لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلاً للمغفرة بالإجماع ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلاً عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة. ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام تلا قوله تعالى في إبراهيم :﴿وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقول عيسى عليه السلام :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الآية، ثم رفع يديه وقال :"اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى : يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ؟
فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلّم بما قال، فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك". رواه مسلم في الصحيح. وثالثها : قوله تعالى في سورة مريم :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥


الصفحة التالية
Icon