﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم، أقصى ما في الباب أنه ورد بعد ذلك قوله :﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ (غافر : ٧)، إلا أن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص. الحادي عشر : الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، ولنذكر منها ثلاثة أوجه، الأول : قوله عليه الصلاة والسلام :"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"/ قالت المعتزلة : الإعتراض عليه من ثلاثة وجوه : أحدها : أنه خبر واحد ورد على مضادة القرآن، فإنا بينا أن كثيراً من الآيات يدل على نفي هذه الشفاعة وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن وجب رده، وثانيها : أنه يدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر وهذا غير جائز، لأن شفاعته منصب عظيم فتخصيصه بأهل الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه وذلك غير جائز، لأنه لا أقل من التسوية، وثالثها : أن هذه المسألة ليست من المسائل العملية فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلا يجوز التمسك في هذه المسألة بهذا الخبر. ثم إن سلمنا صحة الخبر لكن فيه احتمالات، أحدها : أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى / الانكار يعني أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي كما أن المراد من قوله :﴿هَـاذَا رَبِّى ﴾ أي أهذا ربي، وثانيها : أن لفظ الكبيرة غير مختص لا في أصل اللغة ولا في عرف الشرع بالمعصية بل كما يتناول المعصية بل كما يتناول المعصية يتناول الطاعة. قال تعالى في صفة الصلاة :﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَـاشِعِينَ﴾، وإذا كان كذلك فقوله لأهل الكبائر : لا يجب أن يكون المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة. فإن قيل : هب أن لفظ الكبيرة يتناول الطاعات والمعاصي ولكن قوله أهل الكبائر صيغة جمع مقرونة بالألف واللام فيفيد العموم فوجب أن يدل الخبر على ثبوت الشفاعة لكل من كان من أهل الكبائر سواء كان من أهل الطاعات الكبيرة أو المعاصي الكبيرة قلنا : لفظ الكبائر وإن كان للعموم إلا أن
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
لفظ "أهل" مفرد فلا يفيد العموم فيكفي في صدق الخبر شخص واحد من أهل الكبائر فنحمله على الشخص الآتي بكل الطاعات، فإنه يكفي في العمل بمقتضى الحديث حمله عليه. وثالثها : هب أنه يجب حمل أهل الكبائر على أهل المعاصي الكبيرة لكن أهل المعاصي الكبيرة أعم من أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليه بما انحبط من ثواب طاعته المتقدمة على فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ذكره مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار. وروى الحسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي" واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده، ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على سقوط كل هذه التأويلات. الثاني : روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى الله عليه وسلّم تنال كل من مات أمته لا يشرك بالله شيئاً وصاحب الكبيرة كذلك، فوجب أن تناله الشفاعة. والثالث : عن أبي هريرة قال :"أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك ؟
قالوا : لا يا رسول الله، قال : يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس، فيبلّغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه ؟
ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم ؟
فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك/ اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا ؟
فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى / نوح. فيأتون نوحاً فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥


الصفحة التالية
Icon