البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، وذلك لغرضين. أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى : أخرج قومك ليلاً، وهو المراد من قوله :﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى ا أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى ﴾ (طه : ٧٧) وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً كل سبط خمسون ألفاً، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون، فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال الراوي : فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف / ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً. وهو قوله تعالى :﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ (الشعراء : ٦٠) أي بعد طلوع الشمس. ﴿فَلَمَّا تَرَا ءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـابُ مُوسَى ا إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعرا : ٦١) فقال موسى :﴿كَلا إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء : ٦٢) فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك ؟
فقال موسى : إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له : يا موسى أين أمرك ربك ؟
فقال البحر، فقال : والله ما كذبت، ففعل ذلك ثلاث مرات، فأوحى الله إليه :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَا فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء : ٦٧)، فانشق البحر اثني عشر جبلاً في كل واحد منها طريق، فقال له : ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر، وكل طريق فيه حتى صار طريقاً يابساً كما قال تعالى :﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ (طه : ٧٧)، فأخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إن بعضنا لا يرى صاحبه، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضاً، ثم أتبعهم فرعون، فلما بلغ شاطىء البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم في ذلك قوله تعالى :﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـاكُمْ﴾ وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى.
البحث الثاني : اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعماً كثيرة في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه، أحدها : أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر/ فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك. وثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى. وثالثها : أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو. ورابعها : أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم. وخامسها : أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفاً منهم، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقياً من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية. وسادسها : أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥