اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث. فأما قوله تعالى :﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين، وأما بالألف فله وجوه، أحدها : أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك، وثانيها : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله. وثالثها : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا. ورابعها : وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور، أما موسى ففيه وجوه، أحدها : وزنه فعلي والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك. وثانيها : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه، وثالثها : أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم، وسى هو الشجر، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه / فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر. واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس، فأما نسبه صلى الله عليه وسلّم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام. أما قوله تعالى :﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ففيه أبحاث :
البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى :﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَـاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـاتُ رَبِّه أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ (الأعراف : ١٤٢) واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجياً وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي.
البحث الثالث : قوله تعالى :﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان، أي تمام الأربعين، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى :﴿وَسْـاَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف : ٨٢) وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معيناً وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون/ وأيضاً فقوله تعالى :﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه التوراة، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار.
البحث الرابع : قوله ههنا :﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين، وقوله في الأعراف ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَـاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـاهَا بِعَشْرٍ﴾ يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما ؟
أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً، وهو كقوله :﴿ثَلَـاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ (البقرة : ١٩٦).
أما قوله تعالى :﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنا بَعْدِه ﴾ ففيه أبحاث :