﴿اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ معناه ليقتل بعضكم بعضاً وهو كقوله في موضع آخر :﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ (النساء : ٢٩) ومعناه لا يقتل بعضكم بعضاً وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الوحدة، وقيل / في قوله تعالى :﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (الحجرات : ١١) أي إخوانكم من المؤمنين، وفي قوله :﴿لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَـاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ (النور : ١٢) أي بأمثالهم من المسلمين، وكقوله :﴿فَسَلِّمُوا عَلَى ا أَنفُسِكُمْ﴾ (النور : ٦١) أي ليسلم بعضكم على بعض. ثم قال المفسرون : أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل. الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله :﴿اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي استسلموا للقتل، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفاً على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضاً عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات، فالأول : أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم، وكان المقتولون سبعين ألفاً فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق. الثاني : أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالإثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف، فقال التائبون : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي، قال : وكان القتلى سبعين ألفاً، هذه رواية الكلبي. الثالث : أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة، ثم قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
السؤال السادس : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل ؟
الجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاماً في حق الكل أو كان خاصاً بذلك القوم.
السؤال السابع : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته ؟
الجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى :﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم﴾ خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاماً فالعام قد يتطرق إليه التخصيص.
أما قوله تعالى :﴿ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾ ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة، والأول أولى بالتحمل لأنه / متناه، وضرر الآخرة غير متناه، ولأن الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم.
أما قوله تعالى :﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ ففيه محذوف تم فيه وجهان : أحدهما : أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم، والآخر : أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم.
وأما معنى قوله تعالى :﴿فَتَابَ عَلَيْكُم إِنَّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، فقد تقدم في قوله :﴿فَتَابَ عَلَيْه إِنَّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
٥١٨


الصفحة التالية
Icon