البحث الثاني : للمفسرين في الصاعقة قولان. الأول : أنها هي الموت وهو قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى :﴿فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ إِلا مَن شَآءَ اللَّه ﴾ (الزمر : ٦٨)، وهذا ضعيف لوجوه. أحدها : قوله تعالى :﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّـاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة، وثانيها : أنه تعالى قال في حق موسى :﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴾ (الأعراف : ١٤٣) أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال :﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي، وثالثها : أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت. ورابعها : أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال :﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ منبهاً على عظم العقوبة، القول الثاني : وهو قول المحققين : إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف :﴿فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه. أحدها : أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وثانيها : صيحة جاءت من السماء، وثالثها : أرسل الله تعالى جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥١٨
أما قوله تعالى :﴿ثُمَّ بَعَثْنَـاكُم مِّنا بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ لأن البعث قد (لا) يكون إلا بعد الموت، كقوله تعالى :﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ا ءَاذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَـاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (اكلهف : ١١، ١٢). فإن قلت : هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام ؟
قلت : لا، لوجهين. الأول : أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى عليه السلام. الثاني : أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى :﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت، وقال ابن قتيبة : إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه. أما قوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى :﴿اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُادَ شُكْرًا ﴾ (سبأ : ١٣)، فإن قيل : كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت ؟
قلنا : الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات / وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرهم، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الأحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء. ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه الإماتة ثم أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على عروشها وأحيا الذين أماتهم بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ضعيف لأنه تعالى ما أماتهم بالصاعقة إلا وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت أجلاً لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلاً لحياتهم.
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فجوابنا عنه قد تقدم مراراً فلا حاجة إلى الإعادة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥١٨
اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال :﴿ثُمَّ بَعَثْنَـاكُم مِّنا بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ بعضه معطوف على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها.
قال المفسرون، ﴿وَظَلَّلْنَا﴾ وجعلن الغمام تظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه ﴿كُلُوا ﴾ على إرادة القول :﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ عليه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥١٨
٥٢٢