أحدها : احتجاج أهل الكتاب بها قالوا قوله :﴿بَعَثَ فِى الامِّيِّـانَ رَسُولا مِّنْهُمْ﴾ يدل على أنه عليه السلام كان رسولاً إلى الأميين وهم العرب خاصة، غير أنه ضعيف فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وَلا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ ﴾ (العنكبوت : ٤٨) أنه لا يفهم منه أنه / يخطه بشماله، ولأنه لو كان رسولاً إلى العرب خاصة كان قوله تعالى :﴿كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبإ : ٢٨) لا يناسب ذلك، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك، وهو صدق الرسالة المخصوصة، فيكون قوله تعالى :﴿كَآفَّةً لِّلنَّاسِ﴾ دليلاً على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى الكل.
[بم ثم قال تعالى :
جزء : ٣٠ رقم الصفحة : ٥٤٠
٥٤١
﴿وَءَاخَرِينَ﴾ عطف على الأميين. يعني بعث في آخرين منهم، قال المفسرون : هم الأعاجم يعنون بهم غير العرب أي طائفة كانت قاله ابن عباس وجماعة، وقال مقاتل : يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم، وفي الجملة معنى جميع الأقوال فيه كل من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلّم إلى يوم القيامة فالمراد بالأميين العرب. وبالآخرين سواهم من الأمم، وقوله :﴿وَءَاخَرِينَ﴾ مجرور لأنه عطف على المجرور يعني الأميين، ويجوز أن ينتصب عطفاً على المنصوب في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ (الجمعة : ٢) أي ويعلمهم ويعلم آخرين منهم، أي من الأميين وجعلهم منهم، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، فالمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلف أجناسهم، قال تعالى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَـاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ (التوبة : ٧١) وأما من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلّم ولم يدخل في دينه فإنهم كانوا بمعزل عن المراد بقوله :﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ وإن كان النبي مبعوثاً إليهم بالدعوة فإنه تعالى قال في الآية الأولى :﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة : ٢) وغير المؤمنين ليس من جملة من يعلمه الكتاب والحكمة ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ من حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل له والفقر إليه، والحكيم حيث جعل في كل مخلوق ما يشهد بوحدانيته، قوله تعالى :﴿ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُا وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ قال ابن عباس : يريد حيث ألحق العجم وابناءهم بقريش، يعني إذا آمنوا ألحقوا في درجة الفضل بمن شاهد الرسول عليه السلام، وشاركوهم في ذلك، وقال مقاتل :﴿ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ يعني الإسلام ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ وقال مقاتل بن حيان : يعني النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء، فاختص بها محمداً صلى الله عليه وسلّم. والله ذو المن العظيم على جميع خلقه في الدنيا بتعليم الكتاب والحكمة كما مر، وفي الآخرة بتفخيم الجزاء على الأعمال.
جزء : ٣٠ رقم الصفحة : ٥٤١
ثم إنه تعالى ضرب لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلّم مثلاً فقال :
جزء : ٣٠ رقم الصفحة : ٥٤١
٥٤١


الصفحة التالية
Icon