السؤال الرابع : أتقولون إن ذلك الماء كان مستكناً في الحجر ثم ظهر أو قلب الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء ؟
والجواب : أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم / إلا على سبيل التداخل وهو محال. أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها. واعلم أن الكلام في هذا الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا.
السؤال الخامس : معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام ؟
الجواب : كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلّم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد ألبتة فكان ذلك أقوى.
السؤال السادس : ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً ؟
والجواب : أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معيناً لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.
السؤال السابع : من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز ؟
والجواب : من وجوه : أحدها : أن نفس ظهور الماء معجز، وثانيها : خروج الماء العظيم من الحجر الصغير، وثالثها : خروج الماء بقدر حاجتهم، ورابعها : خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا، وخامسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى.
أما قوله تعالى :﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ فنقول : إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لايشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم.
أما قوله تعالى :﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ﴾ ففيه حذف، والمعنى : فقلنا لهم أو قال لهم موسى : كلوا واشربوا، وإنما قال : كلوا لوجهين، أحدهما : لما تقدم من ذكر المن والسلوى، فكأنه قال : كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء. والثاني : أن الأغذية لا تكون إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب. واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، قالوا : لأن أقل درجات قوله :﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ الإباحة، وهذا يقتضي كون الرزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحاً وحراماً وإنه / غير جائز.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٢٢
أما قوله تعالى :﴿وَلا تَعْثَوْا فِى الارْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فالعثي أشد الفساد، فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه، فكأنه تعالى قال : إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٢٢
اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء، تنبت بضم التاء وكسر التاء، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء، تنبت بفتح التاء وضم الباء، ثم اعلم أن أكثر الظاهريين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله تعالى :﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم :﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٢٢


الصفحة التالية
Icon