أما قوله تعالى :﴿وَالصَّـابِئِينَ﴾ فهو من صبأ إذا خرج من دينه إلى دين آخر، وكذلك كانت العرب يسمون النبي عليه السلام صابئاً لأنه أظهر ديناً بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من مطلعها. وصبأنا به إذا خرجنا به، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال، أحدها : قال مجاهد والحسن : هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وثانيها : قال قتاد : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات. وقال أيضاً : الأديان خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن : الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمجوس وهم يعبدون النار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنصارى. وثالثها : وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب، ثم لهم قولان. الأول : أن خالق العالم هو الله سبحانه، إلا أنه سبحانه أمربتعظيم هذه الكواكب واتخاذه قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم. والثاني : أن الله سبحانه خلق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض، والخالقة لها فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم إنها تعبد الله سبحانه، وهذا المذهب هو القول المنسوب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم ومبطلاً لقولهم، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم إذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فإن الله سبحانه وتعالى يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته ألبتة، واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه، أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٣٥
أما قوله تعالى :﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فليس المراد العندية المكانية، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا / الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم.
وأما قوله تعالى :﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فقيل : أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب، وهذا أصح لأن قوله :﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ عام في النفي، وكذلك :﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصاً في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً عن الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً لأنهم لو جوزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الحزن العظيم. فإن قال قائل : إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا :﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّـابِئُونَ وَالنَّصَـارَى مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَعَمِلَ صَـالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ﴾ (المائدة : ٦٩) وفي سورة الحج :﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّـابِـاِينَ وَالنَّصَـارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِا إِنَّ اللَّهَ عَلَى ﴾ (الحج : ١٧) فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع "الصابئين" في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك ؟
والجواب : لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم والله أعلم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٣٥
٥٣٧
اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم :
أما قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـاقَكُمْ﴾ ففيه بحثان :