المسألة الثانية : المقصود من ذكر هذه القصة أمران. الأول : إظهار معجزة محمد عليه السلام فإن قوله :﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي. الثاني : أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى :﴿ يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى ا أَدْبَارِهَآ﴾ (النساء : ٤٧).
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٣٧
المسألة الثالثة : الكلام فيه حذف كأنه قال : ولقد علمتم اعتداء من اعتدى منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه في السبت كان محرماً عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه الآية لكنه مذكور في قوله :﴿وَسْـاَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ ثم يحتمل أن يقال : إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط، وأن يقال : إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد.
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. فإن قيل : لما كان الله نهاهم عن الإصطيات يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال :﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَا لا تَأْتِيهِم كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ (الأعراف : ١٦٣) وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال. قلنا : أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب.
أما قوله تعالى :﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف :(قردة خاسئين) خبر : أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد.
المسألة الثانية : قوله تعالى :﴿كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ﴾ ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى :﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـاهُ أَن نَّقُولَ لَه كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل : ٤) وكقوله تعالى :﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآاـاِعِينَ﴾ (فصلت : ١١) والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم ؛ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ﴾ كذلك أي لما أراد / ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله :﴿نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـابَ السَّبْتِا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ (النساء : ٤٧) ولا يمتنع أيضاً أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة. فإن قيل : لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه ؟
قلنا : أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً لبعض الملائكة أو لغيرهم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٣٧


الصفحة التالية
Icon