أما قوله :﴿فَجَعَلْنَـاهَا﴾ فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه. أحدها : قال الفراء :(جعلناها) يعني المسخة التي مسخوها، وثانيها : قال الأخفش : أي جعلنا القردة نكالاً. وثالثها : جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً. رابعها : جعلنا هذه الأمة نكالاً لأن قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ﴾ يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم، أما النكال فقال القفال رحمه الله : إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها، ويقال للقيد النكل، وللجام الثقيل أيضاً نكل لما فيهما من المنع والحبس، ونظيره قوله تعالى :﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالا وَجَحِيمًا﴾ (المزمل : ١٢) وقال الله تعالى :﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلا﴾ (النساء : ٨٤) والمعنى : أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة، قال القاضي : اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالاً وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة، ويكون / محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله :﴿فَجَعَلْنَـاهَا نَكَـالا﴾ أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٣٧
أما قوله تعالى :﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ ففيه وجوه. أحدها : لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين/ وثانيها : أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم، وثالثها : المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده وهو قول الحسن.
أما قوله تعالى :﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ففيه وجهان. أحدهما : أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلاً فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم. وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله :﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم. الثاني : أن يكون معنى قوله :﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أن يعظ المتقون بعضهم بعضاً أي جعلناها نكالاً وليعظ به بعض المتقين بعضاً فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين والله أعلم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٣٧
٥٤٣
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات. روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض.
المسألة الثانية : أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣


الصفحة التالية
Icon