السؤال الأول : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء ؟
الجواب : الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به/ إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان.
السؤال الثاني : هلا أمر بذبح غير البقرة، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة.
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو ؟
والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله :﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير. واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل : لسانها وقيل : فخذها اليمنى وقيل : ذنبها وقيل : العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل : البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣
المسألة الخامسة : في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى :﴿كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ وعليه هو كقوله تعالى :﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَا فَانفَجَرَتْ﴾ (البقرة : ٦٠) أي فضرب فانفجرت، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال قتلني فلان، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً : وقتلاً.
أما قوله تعالى :﴿كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان : أحدهما : أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت. والثاني : أنه احتجاج في صحة الإعادة، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم ؟
فيه وجهان. الأول : قال الأصم : إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر. قال القاضي : وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك / الميت، ثم قال :﴿كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ فجمع ﴿الْمَوْتَى ﴾ ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال : دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته. الثاني : قال القفال : ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل : إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل، وقد قال إبراهيم عليه السلام :﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى ﴾ إلى قوله :﴿لِّيَطْمَـاـاِنَّ قَلْبِى ﴾ (البقرة : ٢٦) فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً، ثم قال لهم :﴿كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة.
المسألة الثانية : من الناس من استدل بقوله تعالى :﴿كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣
أما قوله تعالى :﴿وَيُرِيكُمْ ءَايَـاتِه ﴾ فلقائل أن يقول : إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات ؟
والجواب : أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات. العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً. وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة.
أما قوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ففيه بحثان :
الأول : أن كلمة "لعل" قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.


الصفحة التالية
Icon