واعلم أن فيه إشكالاً وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهاً. أحدها : قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ راجع إلى القلوب، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية : وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقاً بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة، واعترضوا عليه من وجهين. الأول : أن قوله تعالى :﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ جملة تامة، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله :﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانْهَـارُ ﴾ فيجب في قوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه ﴾ أن يكون راجعاً إليها، الثاني : أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية، وثانيها : قول جمع من المفسرين : إن الضمير عائد إلى الحجارة، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاملة، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى / له ربه، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك، وهذا غير مستبعد في قدرة الله، ونظيره قوله تعالى :﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ (فصلت : ٢١)، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجبل وصفه بالخشية، وقال أيضاً :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـاذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَه خَـاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّه ﴾ (الحشر : ٢١)، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلّم المنبر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلّم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار، فكلها كانت تقول : السلام عليك يا رسول الله، قالوا : فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد، فوجب أن لا يلتفت إليهم. وثالثها : قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل. الأول : أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلاً للانقياد، وقوله :﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّه ﴾، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً لله وهو كقوله :﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَه ﴾ (الكهف : ٧٧)، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريداً للانقضاض، ونحو هذا قول بعضهم :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣
بخيل تضل البلق من حجراته
ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وقول جرير :
لما أتى خبر الزبير تضعضعت
سور المدينة والجبال الخشع