البقرة : ٦٧)، ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة، فكأن الله تعالى يقول : إذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة بسببه، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه السلام، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق. ورابعها : تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلّم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. وخامسها : تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود، وسادسها : أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء، وهو المراد من قوله تعالى :﴿كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ (البقرة : ٧٣) إذا عرفت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة، فقال تعالى :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ وههنا مسائل :
المسألة الأولى : في قوله تعالى :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ وجهان : الأول : وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلّم خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثاني : وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين. قال القاضي : وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر.
المسألة الثانية : المراد بقوله :﴿أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٥٨
المسألة الثالثة : ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهاً. أحدها : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين. الثاني : أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله. الثالث : أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه.
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله. فما الفائدة في قوله :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ ؟
الجواب : أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى :﴿فَـاَامَنَ لَه لُوطٌ ﴾ لما أقر بنبوته وبتصديقه، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة.
أما قوله تعالى :﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ فقد اختلفوا في ذلك الفريق، منهم من قال : المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله. والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال : بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى :﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قيل : الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات، قلنا : لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال : إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن.
أما قوله تعالى :﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَه ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال القفال : التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه، قال تعالى :﴿إِلا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (الأنفال : ١٦) والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه، يقال : قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلاً غير مستقيم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٥٨


الصفحة التالية
Icon