المسألة الأولى : قال القاضي قوله تعالى :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ على ما تقدم تفسيره، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك، وزواله موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة.
المسألة الثانية : قال أبو بكر الرازي : تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل، لأن قوله تعالى :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٥٨
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلّم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف / بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، قال القفال : قوله :﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه.
أما قوله :﴿عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ ففيه وجوه. أحدها : أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد. وثانيها : قال الحسن : أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه. وثالثها : قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة. ورابعها : قال القاضي أبو بكر : إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب. وخامسها : قال القفال : يقال : فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام، أي في حكمهما وقوله :﴿لِيُحَآجُّوكُم بِه عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله. وتأول بعض العلماء قوله تعالى :﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَ أولئك عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَـاذِبُونَ﴾ (النور : ١٣) أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٥٨
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلّم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف / بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، قال القفال : قوله :﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه.


الصفحة التالية
Icon