اعلم أن المراد بقوله :﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. والفرقة الثانية : المنافقون، والفرقة الثالثة : الذين يجادلون المنافقين، والفرقة الرابعة : هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلداً، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول. وقال آخرون : من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال :"نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" وذلك يدل على هذا القول، ولأن قوله :﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَـابَ﴾ لا يليق إلا بذلك.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٥٨
المسألة الثانية :"الأماني" جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة في أصل واحد، أحدها : ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه، ومن هذا قولهم : فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى :﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَـانُ إِلا غُرُورًا﴾ (النساء : ١٢) فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله :(إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة. وثانيها :﴿إِلا أَمَانِىَّ﴾ إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به : أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته. وثالثها :﴿إِلا أَمَانِىَّ﴾ أي إلا ما يقرأون من قوله : تمنى كتاب الله أول ليلة. قال صاحب "الكشاف" والاشتقاق منى من، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارىء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، قال أبو مسلم : حمله على تمنى القلب أولى بدليل قوله تعالى :﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـارَى ا تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ (البقرة : ١١١) أي تمنيهم. وقال الله تعالى :﴿لَّيْسَ بِأَمَـانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَـابِا مَن يَعْمَلْ سُواءًا يُجْزَ بِه ﴾ (النساء : ١٢٣) وقال :﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُم قُلْ هَاتُوا بُرْهَـانَكُمْ﴾ (البقرة : ١١١) وقال تعالى :﴿وَقَالُوا مَا هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلا الدَّهْرُا وَمَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍا إِنْ هُمْ﴾ (الجاثية : ٢٤) بمعنى يقدرون ويخرصون. وقال الأكثرون : حمله على القراءة أولى كقوله تعالى :﴿إِذَا تَمَنَّى ا أَلْقَى الشَّيْطَـانُ فِى أُمْنِيَّتِه ﴾ (الحج : ٥٢) ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال : لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٥٨
المسألة الثالثة : قوله تعالى :﴿إِلا أَمَانِىَّ﴾ من الاستثناء المنقطع، قال النابغة :
حلفت يميناً غير ذي مثنوية
ولا علم إلا حسن ظن بغائب