القول الرابع : أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام، واحتجوا عليه بقوله عليه السلام :"إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيراً، فقال : من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال : من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم ثال : من يعمل من العصر إلى المغبر بقراطين، فعملتم أنتم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا : نحن أكثر عملاً وأقل أجراً! فقال الله : وهل نقصت من أجركم شيئاً، قالوا : لا، قال : فهذا فضلى أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملاً وأكثر أجراً" فهذا الخبر دل على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته، فلا جرم أقسم الله به، فقوله :﴿وَالْعَصْرِ﴾ أي والعصر الذي أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله :﴿وَأَنتَ حِلُّا بِهَـاذَا الْبَلَدِ﴾ وبعمره في قوله :﴿لَعَمْرُكَ﴾ فكأنه قال : وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف، ثم وجه القسم، كأنه تعالى يقول : أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم.
جزء : ٣٢ رقم الصفحة : ٢٨٣
٢٨٤
قوله تعالى :﴿إِنَّ الانسَـانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الألف واللام في الإنسان، يحتمل أن تكون للجنس، وأن تكون للمعهود السابق، فلهذا ذكر المفسرون فيه قولين الأول : أن المراد منه الجنس وهو كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس، ويدل على هذا القول استثناء الذين آمنوا من الإنسان والقول الثاني : المراد منه شخص معين، قال ابن عباس : يريد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب. وقال مقاتل : نزلت في أبي لهب، وفي خبر مرفوع / إنه أبو جهل، وروى أن هؤلاء كانوا يقولون : إن محمداً لفي خسر، فأقسم تعالى أن الأمر بالضد مما توهمون.
المسألة الثانية : الخسر الخسران، كما قيل : الكفر في الكفران، ومعناه النقصان وذهاب رأس المال، ثم فيه تفسيران، وذلك لأنا إذا حملنا الإنسان على الجنس كان معنى الخسر هلاك نفسه وعمره، إلا المؤمن العامل فإنه ما هلك عمره وماله، لأنه اكتسب بهما سعادة أبدية، وإن حملنا لفظ الإنسان على الكافر كان المراد كونه في الضلالة والكفر إلا من آمن من هؤلاء، فحينئذ يتخلص من ذلك الخسار إلى الربح.
المسألة الثالثة : إنما قال :﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ ولم يقل : لفي الخسر، لأن التنكير يفيد التهويل تارة والتحقير أخرى، فإن حملنا على الأول كان المعنى إن الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا لله، وتقريره أن الذنب يعظم بعظم من في حقه الذنب، أو لأنه وقع في مقابلة النعم العظيمة، وكلا الوجهين حاصلان في ذنب العبد في حق ربه، فلا جرم كان ذلك الذنب في غاية العظم، وإن حملناه على الثاني كان المعنى أن خسران الإنسان دون خسران الشيطان، وفيه بشارة أن في خلقي من هو أعصى منك، والتأويل الصحيح هو الأول.
المسألة الرابعة : لقائل : أن يقول قوله :﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ يفيد التوحيد، مع أنه في أنواع من الخسر والجواب : أن الخسر الحقيقي هو حرمانه عن خدمة ربه، وأما البواقي وهو الحرمان عن الجنة، والوقوع في النار، فبالنسبة إلى الأول كالعدم، وهذا كماأن الإنسان في وجوده فوائد، ثم قال :﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لما كان هذا المقصود أجل المقاصد كان سائر المقاصد بالنسبة إليه كالعدم.
جزء : ٣٢ رقم الصفحة : ٢٨٤
واعلم أن الله تعالى قرن بهذه الآية قرائن تدل على مبالغته تعالى في بيان كون الإنسان في خسر أحدها : قوله :﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ يفيد أنه كالمغمور في الخسران، وأنه أحاط به من كل جانب وثانيها : كلمة إن، ، فإنها للتأكيد وثالثها : حرف اللام في لفي خسر، وههنا احتمالان :
الأول : في قوله تعالى :﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ أي في طريق الخسر، وهذا كقوله في أكل أموال اليتامى :﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ لما كانت عاقبته النار.
الاحتمال الثاني : أن الإنسان لا ينفك عن خسر، لأن الخسر هو تضييع رأس المال، ورأس ماله هو عمره، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة تمر بالإنسان ؛ فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضاً حاصل، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكناً من أن يعمل فيه عملاً يبقى أثره دائماً، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك، لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر، فكان تعظيمه / عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل/ وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران.


الصفحة التالية
Icon