جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٦٨
﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ (البقرة : ٢٣٧) ولأنه تعالى قال :﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّـاَاتِ﴾ (الشورى : ٢٥)، فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً / من غير فائدة، فعلمنا أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا. الحجة الثانية : الآيات الدالة على كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً، قال تعالى :﴿غَافِرِ الذَّنابِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر : ٣) وقال :﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ (الكهف : ٥٨) وقال :﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ (طه : ٨٢) وقال :﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة : ٢٨٥). والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط العقاب عمن لا يحسن عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه، وإنما قلنا : إن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية فهو بترك القبائح لا يستحق الثناء من العبد/ ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو المطلوب. فإن قيل : لم يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا قوله تعالى في قصة اليهود :﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ﴾ (البقرة : ٥٢) والمراد ليس إسقاط العقاب، بل تأخيره إلى الآخرة وكذلك قوله تعالى :﴿وَمَآ أَصَـابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ أي ما يعجل الله تعالى من مصائب عقابه إما على جهة المحنة أو على جهة العقوبة المعجلة فبذنوبكم ولا يعجل المحنة والعقاب على كثير منها، وكذا قوله تعالى :﴿وَمِنْ ءَايَـاتِهِ الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ كَالاعْلَـامِ﴾ إلى قوله :﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ أي لو شاء إهلاكهن لأهلكهن ولا يهلك على كثير من الذنوب. والجواب : العفو أصله من عفا أثره أي أزاله، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المسمى من العفو الإزالة لهذا قال تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٦٨
﴿فَمَنْ عُفِىَ لَه مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ (البقرة : ١٧٨) وليس المراد منه التأخير، بل الإزالة وكذا قوله :﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم، بل الإسقاط المطلق، ومما يدل على أن العفو لا يتناول التأخير أن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال : إنه عفا عنه ولو أسقطه يقال : إنه عفا عنه فثبت أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير. الحجة الثالثة : الآيات الدالة على كونه تعالى رحماناً رحيماً والاستدلال بها أن رحمته سبحانه إما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين الذين يستحقون الثواب أو إلى العصاة الذين يستحقون العقاب، والأول : باطل لأن رحمته في حقهم إما أن تحصل لأنه تعالى أعطاهم الثواب الذي هو حقهم أو لأنه تفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم. والأول : باطل لأن أداء الواجب لا يسمى رحمة، ألا ترى أن من كان له على إنسان مائة دينار فأخذها منه قهراً وتكليفاً لا يقال في المعطي إنه أعطى الآخذ ذلك القدر رحمة، والثاني : باطل لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه كالمستغني عن ذلك التفضل فتلك الزيادة تسمى زيادة في الإنعام ولا تسمى ألبتة رحمة، ألا ترى أن السلطان المعظم إذا كان في خدمته أمير له ثروة عظيمة ومملكة كاملة، ثم إن السلطان ضم إلى ماله من الملك مملكة أخرى، فإنه لا يقال : إن السلطان رحمه بل يقال : زاد في الإنعام عليه فكذا / ههنا. أما القسم الثاني : وهو أن رحمته إنما تظهر بالنسبة إلى من يستحق العقاب، فإما أن تكون رحمته لأنه تعالى ترك العذاب الزائد على العذاب المستحق، وهذا باطل لأن ترك ذلك واجب والواجب لا يسمى رحمة ولأنه يلزم أن يكون كل كافر وظالم رحيماً علينا لأجل أنه ما ظلمنا، فبقي أنه إنما يكون رحيماً لأنه ترك العقاب المستحق وذلك لا يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد التوبة، لأن ترك عقابهم واجب، فدل على أن رحمته إنما حصلت لأنه ترك عقاب صاحب الكبيرة قبل التوبة، فإن قيل : لم لا يجوز أن تكون رحمته لأجل أن الخلق والتكليف والرزق كلها تفضل، ولأنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة ؟
قلنا : أما الأول فإنه يفيد كونه رحيماً في الدنيا فأين رحمته في الآخرة مع أن الأمة مجتمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من رحمته في الدنيا. وأما الثاني : فلأن عندكم التخفيف عن العقاب غير جائز هكذا قول المعتزلة الوعيدية، إذا ثبت حصول التخفيف بمقتضى هذه الآية ثبت جواز العفو لأن كل من قال بأحدهما قال بالآخر.