النكتة الرابعة : أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك، ثم أن أجل الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن، لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في الطاعات ورهبته عن المحرمات ؛ فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات، فلا جرم كان سعى الشيطان في الصد عنه أبلغ، وكان احتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد، فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
النكتة الخامسة : الشيطان عدو الإنسان كما قال تعالى :﴿إِنَّ الشَّيْطَـانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ (فا طر : ٦) والرحمن مولى الإنسان وخالقه ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى مرضاة مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو، فلما وصل الحضرة وشاهد أنواع البهجة والكرامة نسي العدو وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب، فالمقام الأول : هو الفرار وهو قوله :(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) والمقام الثاني : وهو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله :(بسم الله الرحمن الرحيم).
النكتة السادسة : قال تعالى :﴿لا يَمَسُّه ا إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة : ٧٩) فالقلب لما تعلق بغير الله واللسان لما جرى بذكر غير الله حصل فيه نوع من اللوث، فلا بدّ من استعمال الطهور، فلما قال :﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ حصل الطهور/ فعند ذلك يستعد للصلاة الحقيقية وهي ذكر الله تعالى فقال :﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
النكتبة السابعة : قال أرباب الإشارات : لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن، وأنت مأمور بمحاربتهما قال تعالى في العدو الظاهر :﴿قَـاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (التوبة : ٢٩) وقال في العدو الباطن :﴿إِنَّ الشَّيْطَـانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ (فاطر : ٦) فكأنه تعالى قال : إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك الملك، كما قال تعالى :﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـافٍ مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران : ١٢٥) وإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك الملك كما قال تعالى :﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـانٌ﴾ (الحجر : ٤٢) وأيضاً فمحاربة العدو الباطن أولى من محاربة العدو الظاهر ؛ لأن العدو الظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا، والعدو الباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين، وأيضاً فالعدو الظاهر إن غلبنا كنا مأجورين، والعدو الباطن إن غلبنا كنا مفتونين، وأيضاً فمن قتله العدو الظاهر كان شهيداً، ومن قتله العدو الباطن كان طريداً، فكان الاحتراز عن شر العدو الباطن أولى، وذلك لا يكون إلا بأن يقول الرجل بقلبه ولسانه (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧