أما قوله تعالى :﴿هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ أي هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه، قال الفراء : أي مستقبلها وقال أبو معاذ : موليها على معنى متوليها يقال : قد تولاها ورضيها وأتبعها، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي :﴿هُوَ﴾ وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي الباقر وفي قراءة الباقين :﴿هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ ولقراءة ابن عامر معنيان. أحدهما : أن ما وليته فقد ولاك، لأن معنى وليته أي جعلته / بحيث تليه وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضاً، يلي هذا، فإذن قد ولى كل واحد منهما الآخر وهو كقوله تعالى :﴿فَتَلَقَّى ا ءَادَمُ مِن رَّبِّه كَلِمَـاتٍ﴾ (البقرة : ٣٧) و﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ﴾ (البقرة : ١٢٤) والظالمون، وهذا قول الفراء. والثاني :﴿هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ أي وقد زينت له تلك الجهة وحببت إليه، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها.
أما قوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ فمعناه الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي رضي الله عنه أفضل، خلافاً لأبي حنيفة، واحتج الشافعي بوجوه : أولها : أن الصلاة خير لقوله صلى الله عليه وسلّم :"الصلاة خير موضوع" وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديمه أفضل لقوله تعالى :﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب. وثانيها : قوله :﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (الحديد : ٢١) ومعناه إلى ما يوجب المغفرة والصلاة مما يوجب المغفرة فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة. وثالثها : قوله تعالى :﴿وَالسَّـابِقُونَ السَّـابِقُونَ * أولئك الْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة : ١٠، ١١) ولا شك أن المراد منه السابقون في الطاعات، ولا شك أن الصلاة من الطاعات، وقوله تعالى :﴿ أولئك الْمُقَرَّبُونَ﴾ يفيد الحصر، فمعناه أنه لا يقرب عند الله إلا السابقون وذلك يدل على أن كمال الفضل منوط بالمسابقة. ورابعها : قوله تعالى :﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (آل عمران : ١٣٣) والمعنى : وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة، ولا شك أن الصلاة كذلك، فكانت المسارعة بها مأمورة. وخامسها : أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٣
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَـارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء : ٩٠) ولا شك أن الصلاة من الخيرات، لقوله عليه السلام :"خير أعمالكم الصلاة". وسادسها : أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال :﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ (الأعراف : ١٢) وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم. وسابعها : قوله تعالى :﴿حَـافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (البقرة : ٢٣٨) والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل، ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال. وثامنها : قوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السلام :﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ (طه : ٨٤) فثبت أن الاستعجال أولى. وتاسعها : قوله تعالى :﴿لا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَـاتَلَا أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنا بَعْدُ وَقَـاتَلُوا ﴾ (الحديد : ١٠) فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة. وعاشرها : ما روى عمر وجرير بن عبد الله وأنس وأبو محذورة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله" قال الصديق رضي الله عنه : رضوان الله أحب إلينا من عفوه. قال الشافعي رضي الله عنه : رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فإن قيل هذا احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير، وأجمعنا على أنه لا يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله، فكان التأخير موجباً للعفو والرضوان، والتقديم موجباً للرضوان دون العفو فكان التأخير أولى قلنا : هذا ضعيف من وجوه. الأول : أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون / تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد. الثاني : أنه عدم المسارعة الامتثال يشبه عدم الالتفات، وذلك يقتضي العقاب، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء. الثالث : أن تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه يبطل هذا التأويل الذي ذكروه.
الحادي عشر : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"يا علي ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا".
الثاني عشر : عن ابن مسعود أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلّم فقال : أي الأعمال أفضل ؟
فقال : الصلاة لميقاتها الأول.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٣
الثالث عشر : روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"إن الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله".