الحجة الأولى : قوله تعالى :﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـادَةًا قُلِ اللَّه ﴾ (الأنعام : ١٩) وهذا يدل على أنه يجوز تسمية الله باسم الشيء، فإن قيل : لو كان الكلام مقصوراً على قوله :﴿قُلِ اللَّهُ﴾ لكان دليلكم حسناً، لكن ليس الأمر كذلك بل المذكور هو قوله تعالى :﴿قُلِ اللَّه شَهِيدُا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ (الأنعام : ١٩) وهذا كلام مستقل بنفسه، ولا تعلق له بما قبله، وحينئذٍ لا يلزم أن يكون الله تعالى مسمى باسم الشيء قلنا : لما قال :﴿أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـادَةً ﴾ ثم قال :﴿قُلِ اللَّه شَهِيدُا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ وجب أن تكون هذه الجملة جارية مجرى الجواب عن قوله :﴿أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـادَةً ﴾ وحينئذٍ يلزم المقصود.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الثانية : قوله تعالى :﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه ﴾ (القصص : ٨.) والمراد بوجهه ذاته، ولو لم تكن ذاته شيئاً لما جاز استثنائه عن قوله :﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ﴾ وذلك يدل على أن الله تعالى مسمى بالشيء.
الحجة الثالثة : قوله عليه السلام في خبر عمران بن الحصين :"كان الله ولم يكن شيء غيره" وهذا يدل على أن اسم الشيء يقع على الله تعالى.
الحجة الرابعة : روى عبد الله الأنصاري في الكتاب الذي سماه "بالفاروق" عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول :"ما من شيء أغير من الله عزّ وجلّ".
الحجة الخامسة : أن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه، وذات الله تعالى كذلك، فيكون شيئاً.
واحتج جهم بوجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى :﴿اللَّهُ خَـالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ (الزمر : ٦٢) وكذلك قوله :﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾ (المائدة : ١٧) فهذا يقتضي أن يكون كل شيء مخلوقاً ومقدوراً، والله تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور، ينتج أن الله سبحانه وتعالى ليس بشيء. فإن قالوا إن قوله تعالى :﴿اللَّهُ خَـالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ وقوله :﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾ عام دخله التخصيص، قلنا الجواب عنه من وجهين : الأول : أن التخصيص خلاف الأصل، والدلائل اللفظية يكفي في تقريرها هذا القدر، الثاني : أن الأصل في جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل، فلهذا السبب جوزوا دخول التخصيص في العموميات، إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما يجوز في الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيراً قليل القدر فيجعل وجوده كعدمه، ويحكم على الباقي بحكم الكل، فثبت أن التخصيص إنما يجوز في الصورة التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة إذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يكون الله تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو الله تعالى، فامتنع أن يحصل فيه جواز التخصيص، فوجب القول بأن ادعاء هذا التخصيص محال.
الحجة الثانية : قوله تعالى :﴿لَيْسَ كَمِثْلِه شَىْءٌا وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى : ١١) حكم الله تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء، ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه، وثبت بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء، فإن قالوا إن الكاف زائدة، قلنا هذا الكلام معناه أن هذا الحرف من كلام الله تعالى لغو وعبث وباطل، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل، ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الثالثة : لفظ الشيء لا يفيد صفة من صفات الجلال والعظمة والمدح والثناء، وأسماء الله تعالى يجب كونها كذلك ينتج أن لفظ الشيء ليس اسماً لله تعالى : أما قولنا إن اسم الشيء لا يفيد المدح والجلال فظاهر، وذلك لأن المفهوم من لفظ الشيء قدر مشترك بين الذرة الحقيرة وبين أشرف الأشياء، وإذا كان كذلك كان المفهوم من لفظ الشيء حاصلاً في أخس الأشياء وذلك يدل على أن اسم الشيء لا يفيد صفة المدح والجلال، وأما قولنا : إن أسماء الله يجب أن تكون دالة على صفة المدح والجلال، فالدليل ليه قوله تعالى :﴿وَلِلَّهِ الاسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَـا اـاِه ﴾ (الأعراف : ١٨٠) والاستدلال بالآية أن كون الأسماء حسنة لا معنى له إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة، فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى لم يكن / الاسم حسناً ثم أنه تعالى أمرنا بأن ندعوه بهذه الأسماء ثم قال بعد ذلك ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَـا اـاِه ﴾ وهذا كالتنبيه على أن من دعاه بغير تلك الأسماء الحسنة فقد ألحد في أسماء الله، فتصير هذه الآية دالة دلالة قوية على أنه ليس للعبد أن يدعو الله إلا بالأسماء الحسنى الدالة على صفات الجلال والمدح، وإذا ثبت هاتان المقدمتان فقد حصل المطلوب.


الصفحة التالية
Icon