لفظ الصورة :
المسألة السابعة : في لفظ الصورة، وفيه أخبار : الخبر الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنهق ال :"إن الله خلق آدم على صورته" وعن بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن" قال إسحاق بن راهويه : صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن".
الخبر الثاني : عن معاذ بن جبل قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات غدوة فقال له قائل : ما رأيتك أسفر وجهك مثل الغداة، قال :"وما أبالي، ، وقد بدا لي ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد ؟
قلت : أنت أعلم أي ربي، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها فعلمت ما في السموات والأرض.
واعلم أن العلماء ذكروا في تأويل هذه الأخبار وجوهًا : الأول : أن قوله :"إن الله خلق آدم على صورته" الضمير عائد إلى المضروب، يعني أن الله تعالى خلق آدم على صورة المضروب، فوجب الاحتراز عن تقبيح وجه ذلك المضروب. الثاني : أن المراد أن الله خلق آدم على صورته التي كان في آخر أمره، يعني أنه ما تولد عن نطفة ودم وما كان جنيناً ورضيعاً، بل خلقه الله رجلاً كاملاً دفعة واحدة الثالث : أن المراد من الصورة الصفة يقال صورة هذا الأمر كذا، أي : صفته، فقوله :"خلق الله آدم على صورة الرحمن" أي : خلقه على صفته في كونه خليفة له في أرضه متصرفاً في جميع الأجسام الأرضية، كما أنه تعالى نافذ القدرة في جميع العالم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
إطلاق "الجوهر" على الله لا يجوز :
المسألة الثامنة : الفلاسفة قد يطلقون لفظ "الجوهر" على ذات الله تعالى، وكذلك النصارى، والمتكلمون يمتنعون منه، أما الفلاسفة فقالوا : المراد من الجوهر الذات المستغنى عن المحل والموضوع، والله تعالى كذلك، فوجب أن يكون جوهراً، فالجوهر فوعل واشتقاقه من الجهر، وهو الظهور، فسمي الجوهر جوهراً لكونه ظاهراً بسبب شخصيته وحجميته، فكونه جوهراً عبارة عن كونه ظاهر الوجود، وأما حجميته فليست نفس الجوهر، بل هي سبب لكونه جوهراً وهو ظهور وجوده، والحق سبحانه وتعالى أظهر من كل ظاهر بحسب كثرة الدلائل على وجوده، فكان أولى الأشياء بالجوهرية هو هو، وأما المتكلمون فقالوا : أجمع المسلمون على الامتناع من هذا اللفظ فوجب الامتناع منه.
إطلاق الجسم لا يجوز :
المسألة التاسعة : أطلق أكثر الكرامية لفظ "الجسم" على الله تعالى فقالوا : لا نريد به كونه مركباً مؤلفاً من الأعضاء، وإنما نريد به كونه موجوداً قائماً بالنفس غنياً عن المحل وأما سائر الفرق فقد أطبقوا على إنكار هذا الاسم.
ولنا مع الكرامية مقامان : المقام الأول : أنا لا نسلم أنهم أرادوا بكونه جسماً معنى غير الطول والعرض والعمق، وكيف لا نقول ذلك وأنهم يقولون : أنه تعالى فوق العرش، ولا يقولون إنه في الصغر مثل الجوهر الفرد، والجزء الذي لا يتجزأ، بل يقولون : إنه / أعظم من العرش، وكان ما كان كذلك كانت ذاته ممتدة من أحد جانبي العرش إلى الجانب الآخر فكان طويلاً عريضاً عميقاً، فكان جسماً بمعنى كونه طويلاً عريضاً عميقاً/ فثبت أن قولهم إنا أردنا بكونه جسماً معنى غير هذا المعنى كذب محض وتزوير صرف. المقام الثاني : أن نقول : لفظ الجسم لفظ يوهم معنى باطلاً، وليس في القرآن والأحاديث ما يدل على وروده فوجب الامتناع منه، لا سيما والمتكلمون قالوا : لفظ الجسم يفيد كثرة الأجزاء بحسب الطول والعرض والعمق، فوجب أن يكون لفظ الجسم يفيد أصل هذا المعنى.
إطلاق "الأَنية" :
المسألة العاشرة : في إطلاق لفظ "الأنية" على الله تعالى : اعلم أن هذه اللفظة تستعملها الفلاسفة كثيراً، وشرحه بحسب أصل اللغة أن لفظة "إن" في لغة العرب تفيد التأكيد والقوة في الوجود، ولما كان الحق سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته، وكان واجب الوجود أكمل الموجودات في تأكد الوجود، وفي قوة الوجود، لا جرم أطلقت الفلاسفة بهذا التأويل لفظ الأنية عليه.
إطلاق "الماهية" :
المسألة الحادية عشرة : في إطلاق لفظ الماهية عليه : اعلم أن لفظ "الماهية" ليس لفظاً مفرداً بحسب أصل اللغة، بل الرجل إذا أراد أن يسأل عن حقيقة من الحقائق فإنه يقول : ما تلك الحقيقة وما هي ؟
وكان النبي صلى الله عليه وسلّم يقول : أرنا الأشياء كما هي، فلما كثر السؤال عن معرفة الحقائق بهذه اللفظة جعلوا مجموع قولنا ما هي كاللفظة المفردة، ووضعوا هذه اللفظة بإزاء الحقيقة فقالوا ماهية الشيء أي حقيقته المخصوصة وذاته المخصوصة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
إطلاق لفظ "الحق" :
المسألة الثانية عشرة : في إطلاق لفظ "الحق" اعلم أن هذا اللفظ إن أطلق على ذات الشيء كان المراد كونه موجوداً وجوداً حقيقياً في نفسه والدليل عليه أن الحق مقابل للباطل والباطل هو المعدوم قال لبيد : ـ
ألا كل شيء ما خلا الله باطل


الصفحة التالية
Icon