فهذه دلائل واضحة على أنه لا بدّ من الإقرار بوجود الصفات لله تعالى، إلا أنه بقي أن يقال : لم لا يجوز أن تكون هذه الصفات صفات نسبية وإضافية فالمعنى من "كونه قادراً" كونه بحيث يصح منه الإيجاد، وتلك الصحة معللة بذاته، و"كونه عالماً" معناه الشعور والإدراك، وذلك حالة نسبية إضافية، وتلك النسبية الحاصلة معللة بذاته المخصوصة، وهذا تمام الكلام في هذا الباب.
المسألة الثالثة : أنا إذا قلنا بإثبات الصفات الحقيقية فنقول : الصفة الحقيقية إما أن تكون صفة يلزمها حصول النسبة والإضافة، وهي مثل العلم والقدرة، فإن العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور، فهذه الصفات وإن كانت حقيقية إلا أنه يلزمها لوازم من باب النسب والإضافات.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
أما الصفة الحقيقية العارية عن النسبة والإضافة في حق الله تعالى فليست إلا صفة الحياة فلنبحث عن هذه الصفة فنقول : قالت الفلاسفة : الحي هو الدراك الفعال، إلا أن الدراكية صفة نسبية والفعالية أيضاً كذلك، وحينئذٍ لا تكون الحياة صفة مغايرة للعلم والقدرة على هذا القول، وقال المتكلمون إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالماً قادراً، واحتجوا عليه بأن الذوات متساوية في الذاتية ومختلفة في هذه الصحة، فلا بدّ وأن تكون تلك الذوات مختلف في قبول صفة الحياة، فوجب أن تكون صحيحة لأجل صفة زائدة، فيقال لهم : قد دللنا على أن ذات الله تعالى مخالفة لسائر الذوات لذاته المخصوصة، فسقط هذا الدليل، وأيضاً الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة، فوجب أن يكون صحة قبول الحياة لصفة أخرى، ولزم التسلسل، ولا جواب عنه إلا أن يقال : إن تلك الصحة من لوازم الذات المخصوصة فاذكروا هذا الكلام في صحة العالمية، وقال قوم ثالث : معنى كونه حياً أنه لا يمتنع أن يقدر ويعلم، فهذا عبارة عن نفي الامتناع، ولكن الامتناع عدم، فنفيه يكون عدماً للعدم، فيكون ثوبتاً، فيقال لهم : هذا مسلم، لكن لم لا يجوز أن يكون هذا الثبوت هو تلك الذات المخصوصة ؟
فإن قالوا : الدليل عليه أن نعقل تلك الذات مع الشك في كونها حية، فوجب أن يكون كونها حية مغايراً / لتلك الذات، فيقال لهم : قد دللنا على أنا لا نعقل ذات الله تعالى تعقلاً ذاتياً، وإنما نتعقل تلك الذات تعقلاً عرضياً، وعند هذا يسقط هذا الدليل، فهذا تمام الكلام في هذا الباب.
اسمه تعالى الحي :
المسألة الرابعة : لفظ الحي وارد في القرآن، قال الله تعالى :﴿اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة : ٢٥) وقال :﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ ﴾ (طه : ١١١) وقال :﴿هُوَ الْحَىُّ لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ فَـادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ (غافر : ٦٥) فإن قيل : الحي معناه الدراك الفعال أو الذي لا يمتنع أن يعلم ويقدر، وهذا القدر ليس فيه مدح عظيم، فما السبب في أن ذكره الله تعالى في معرض المدح العظيم ؟
فالجواب إن التمدح لم يحصل بمجرد كونه حياً، بل بمجموع كونه حياً قيوماً. وذلك لأن القيوم هو القائم بإصلاح حال كل ما سواه، وذلك لا يتم إلا بالعلم التام والقدرة التامة، والحي هو الدراك الفعال، فقوله :"الحي" يعني كونه دراكاً فعالاً، وقوله :"القيوم" يعني كونه دراكاً لجميع الممكنات فعالاً لجميع المحدثات والممكنات، فحصل المدح من هذا الوجه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الباب الخامس
في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية
الاسم الدال على الصفات الإضافية :
اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة عقلية، وهي أن التكوين هل هو نفس المكون أم لا ؟
قالت المعتزلة والأشعرية : التكوين نفس المكون، وقال آخرون إنه غيره/ واحتج النفاة بوجوده : ـ
الحجة الأولى : أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب، فإن كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير، وإن كان الثاني لزم كونه تعالى موجباً بالذات لا فاعلاً بالا ختيار.
الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها، إلى تكوين آخر ولزم التسلسل.
الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أو ليس لها هذه الصلاحية، فإن كان الأول فحينئذٍ تكون القدرة كافية في خروج الأثر من العدم إلى الوجود، وعلى هذا التقدير فلا حجة إلى إثبات صفة أخرى، وإن كان الثاني فحينئذٍ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير، فوجب أن لا تكون القدرة قدرة، وذلك يوجب التناقض.