ومن الأسماء المشعرة بالجسمية والجهة الألفاظ المشتقة من "العلو" فمنها قوله تعالى :﴿الْعُلَى﴾ ومنها قوله :﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاعْلَى﴾ (الأعلى : ١) ومنها المتعالى ومنها اللفظ المذكور عند الكل على سبيل الأطباق وهو أنهم كلما ذكروه أردفوا ذلك الذكر بقولهم :"تعالى" لقوله تعالى في أول سورة النحل :﴿سُبْحَـانَه وَتَعَـالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (ا لنحل : ١) إذا عرفت هذا فالقائلون بأنه في الجهة والمكان قالوا : معنى علوه وتعاليه كونه موجوداً في جهة فوق، ثم هؤلاء منهم من قال إنه جالس فوق العرش، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد متناه، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد غير متناه، وكيف كان فإن المشبهة حملوا لفظ العظيم والكبير على الجسمية والمقدار / وحملوا لفظ العلي على العلو في المكان والجهة، وأما أهل التنزيه والتقديس فإنهم حملوا العظيم والكبير على وجوه لا تفيد الجسمية والمقدار : فأحدها : أنه عظيم بحسب مدة الوجود، وذلك لأنه أزلي أبدي، وذلك هو نهاية العظمة والكبرياء في الوجود والبقاء والدوام، وثانيها : أنه عظيم في العلم والعمل، وثالثها : أنه عظيم في الرحمة والحكمة، ورابعها : أنه عظيم في كمال القدرة، وأما العلو فأهل التنزيه يحملون هذا اللفظ على كونه منزهاً عن صفات النقائص والحاجات.
إذا عرفت هذا فلفظ العظيم والكبير عند المشبهة من أسماء الذات، وعند أهل التوحيد من أسماء الصفات، وأما لفظ العلي فعند الكل من أسماء الصفات، إلا أنه عند المشبهة يفيد الحصول في الحيز الذي هو العلو الأعلى، وعند أهل التوحيد يفيد كونه منزهاً عن كل ما لا يليق بالإلهية، فهذا تمام البحث في هذا الباب.
الفصل التاسع
في الأسماء الحاصلة لله تعالى من باب الأسماء المضمرة
الأسماء المضمرة :
اعلم أن الأسماء المضمرة ثلاثة : أنا، وأنت، وهو، وأعرف الأقسام الثلاثة قولنا :"أنا لأن هذا اللفظ لفظ يشير به كل أحد إلى نفسه، وأعرف المعارف عند كل أحد نفسه، وأوسط هذه الأقسام قولنا :"أنت" لأن هذا خطاب للغير بشرط كونه حاضراً، فلأجل كونه خطاباً للغير يكون دون قوله أنا، ولأجل أن الشرط فيه كون ذلك المخاطب حاضراً يكون أعلى من قوله :"هو" فثبت أن أعلى الأقسام هو قوله :"أنا" وأوسطها "أنت" وأدناها "هو" وكلمة التوحيد وردت بكل واحدة من هذه الألفاظ، أما لفظ "أنا" فقال في أول سورة النحل ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا أَنَا ﴾ (النحل : ٢) وفي سورة طه ﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلا أَنَا ﴾ (طه : ١٤) وأما لفظ أنت فقد جاء في قوله :﴿فَنَادَى فِى الظُّلُمَـاتِ أَن لا إِلَـاهَ إِلا أَنتَ﴾ (الأنبياء : ٨٧) وأما لفظ هو فقد جاء كثيراً في القرآن أولها في سورة البقرة في قوله :﴿وَإِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌا لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَـانُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة : ١٦٣) وآخرها في سورة المزمل وهو قوله :﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ (المزمل : ٩) وأما ورود هذه الكلمة مقروناً باسم آخر سوى هذه الأربعة فهو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون أنه قال :﴿وَجَـاوَزْنَا بِبَنِى إسرائيل الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُه بَغْيًا وَعَدْوًا ﴾ (يونس : ٩٠) ثم بين الله تعالى أن تلك الكلمة ما قبلت منه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
إذا عرفت هذا فلنذكر أحكام هذه الأقسام فنقول : أما قوله :﴿لا إِلَـاهَ إِلا أَنَا ﴾ فهذا الكلام لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله أو من يذكره على سبيل الحكاية عن الله، لأن تلك الكلمة تقتضي إثبات الإلهية لذلك القائل، وذلك لا يليق إلا بالله سبحانه، واعلم أن معرفة هذه الكلمة مشروطة بمعرفة قوله :"أنا" وتلك المعرفة على سبيل التمام والكمال لا تحصل إلا للحق سبحانه وتعالى ؛ لأن علم كل أحد بذاته المخصوصة أكمل من علم غيره به، لا سيما في حق الحق تعالى، فثبت أن قوله :"لا إله إلا أنا" لم يحصل العلم به على سبيل الكمال إلا للحق تعالى، وأما الدرجة الثانية وهي قوله :"لا إله إلا أنت" فهذا يصح ذكره من العبد لكن بشرط أن يكون حاضراً لا غائباً، لكن هذه الحالة إنما اتفق حصولها ليونس عليه السلام عند غيبته عن جميع حظوظ النفس، وهذا تنبيه على أن الإنسان ما لم يصر غائباً عن كل الحظوظ لا يصل إلى مقام المشاهدة، وأما الدرجة الثالثة وهي قوله :"لا إله إلا هو" فهذا يصح من الغائبين.
واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد، وكمال التجلي ونقصانه، وكل درجة ناقصة من درجات الحضور فهي غيبة بالنسبة إلى الدرجة الكاملة، ولما كانت درجات الحضور غير متناهية كانت مراتب الكمالات والنقصانات غير متناهية، فكانت درجات الحضور والغيبة غير متناهية، فكل من صدق عليه أنه حاضر فباعتبار آخر يصدق عليه أنه غائب، وبالعكس وعن هذا قال الشاعر : ـ
فأبا غائباً حاضراً في الفؤاد
سلام على الغائب الحاضر