الفائدة الخامسة : وقف صبي في بعض الغزوات ينادي عليه في من يزيد في يوم صائف شديد الحر، فبصرت به امرأة فعدت إلى الصبي وأخذته وألصقته إلى بطنها، ثم ألقت ظهرها على البطحاء وأجلسته على بطنها تقيه الحر/ وقالت : ابني، ابني، فبكى الناس وتركوا ما هم فيه فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى وقف عليهم فأخبروه الخبر، فقال : أعجبتم من رحمة / هذه بابنها فإن الله تعالى أرحم بكم جميعاً من هذه المرأة بابنها، فتفرق المسلمون على أعظم أنواع الفرح والبشارة.
أصل لفظ الجلالة :
المسألة الثالثة : في كيفية اشتقاق هذه اللفظة بحسب اللغة، قال بعضهم هذه اللفظة ليست عربية، بل عبرانية أو سريانية، فإنهم يقولون إلهاً رحماناً ومرحيانا، فلما عرب جعل "الله الرحمن الرحيم" وهذا بعيد، ولا يلزم من المشابهة الحاصلة بين اللغتين الطعن في كون هذه اللفظة عربية أصلية، والدليل عليه قوله تعالى :﴿وَلَـاـاِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه ﴾ (لقمان : ٢٥) وقال تعالى :﴿هَلْ تَعْلَمُ لَه سَمِيًّا﴾ (مريم : ٦٥) وأطبقوا على أن المراد منه لفظة "الله" وأما الأكثرون فقد سلموا كونها لفظة عربية، أما القائلون بأن هذا اللفظ اسم علم لله تعالى فقد تخلصوا عن هذه المباحث، وأما المنكرون لذلك فلهم قولان : قال الكوفيون : أصل هذه اللفظة إلاه، فأدخلت الألف واللام عليها للتعظيم، فصار الإلاه، فحذفت الهمزة استثقالاً، لكثرة جريانها على الألسنة، فاجتمع لامان، فأدغمت الأولى فقالوا :"الله" وقال البصريون أصله لاه، فألحقوا بها الألف واللام فقيل :"الله" وأنشدوا : ـ
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
فكحلفة من أبي رباح
يسمعها لاهه الكبار
فأخرجه على الأصل.
المسألة الرابعة : قال الخليل : أطبق جميع الخلق على أن قولنا :"الله" مخصوص بالله سبحانه وتعالى، وكذلك قولنا الإله مخصوص به سبحانه وتعالى، وأما الذين كانوا يطلقون اسم الإله على غير الله فإنما كانوا يذكرونه بالإضافة كما يقال إله كذا، أو ينركوه فيقولون : إله كما قال الله تعالى خبرًا عن قوم موسى ﴿وَجَـاوَزْنَا بِبَنِى إسرائيل الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾ (الأعراف : ١٣٨).
خواص لفظ الجلالة :
المسألة الخامسة : اعلم أن هذا الاسم مختص بخواص لم توجد في سائر أسماء الله تعالى، ونحن نشير إليها : فالخاصة الأولى : أنك إذا حذفت الألف من قولك :"الله" بقي الباقي على صورة "الله" وهو مختص به سبحانه، كما في قوله :﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ (الفتح : ٤) ﴿وَلِلَّهِ خَزَآاـاِنُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ﴾ (المنافقون : ٧) وإن حذفت عن هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة "له" كما في قوله تعالى :﴿لَّه مَقَالِيدُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ (الزمر : ٦٣) وقوله :﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾ فإن حذفت اللام الباقية كانت البقية هي قولنا :"هو" وهو أيضًا يدل عليه سبحانه كما في قوله :﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقوله :﴿هُوَ الْحَىُّ لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ﴾ والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع ؛ فإنك تقول ؛ هما، هم فلا تبقى الواو فيهما، فهذه الخاصية موجودة في لفظ "الله" غير / موجودة في سائر الأسماء، وكما حصلت هذه الخاصية بحسب اللفظ فقد حصلت أيضاً بحسب المعنى، فإنك إذا دعوت الله بالرحمن فقد وصفته بالرحمة، وما وصفته بالقهر، وإذا دعوته بالعليم فقد وصفته بالعلم، وما وصفته بالقدرة، وأما إذا قلت يا الله فقد وصفته بجميع الصفات ؛ لأن الإله لا يكون إلهاً إلا إذا كان موصوفاً بجميع هذه الصفات، فثبت أن قولنا الله قد حصلت له هذه الخاصية التي لم تحصل لسائر الأسماء.
الخاصية الثانية : أن كلمة الشهادة وهي الكلمة التي بسببها ينتقل الكافر من الكفر إلى الإسلام لم يحصل فيها إلا هذا الاسم/ فلو أن الكافر قال : أشهد أن لا إله إلا الرحمن أو إلا الرحيم، أو إلا الملك، أو إلا القدوس لم يخرج من الكفر ولم يدخل في الإسلام، أما إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله فإنه يخرج من الكفر ويدخل في الإسلام، وذلك يدل على اختصاص هذا الاسم بهذه الخاصية الشريفة، والله الهادي إلى الصواب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الباب العاشر
في البحث المتعلق بقولنا الرحمن الرحيم
الرحمن الرحيم :
اعلم أن الأشياء على أربعة أقسام : الذي يكون نافعاً وضرورياً معاً، والذي يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً، والذي يكون ضرورياً ولا يكون نافعاً، والذي لا يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً.
أما القسم الأول ـ وهو الذي يكون نافعاً وضرورياً معاً ـ فأما أن يكون كذلك في الدنيا فقط، وهو مثل النفس ـ فإنه لو انقطع منك لحظة واحدة حصل الموت، وإما أن يكون كذلك في الآخرة، وهو معرفة الله تعالى، فإنها إن زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب، واستوجب عذاب الأبد.