انطوى توبيخ اليهود على الإخبار بأمرين غاية في القبح والسماجة، أولهما : ما كانوا يجترحونه من المناكر، والثاني صدوفهم عن التناهي عن هذه المناكر، وعدم الجنوح إليها في المستقبل، وقد دل على ذلك قوله تعالى :« فعلوه »، فلولا ذكرها لتوهّم متوهم أن النهي عن المنكر عند استحقاق النهي عنه والإشراف على تعاطيه، فانتظم ذكرها الأمرين معا بوجه بليغ وأسلوب رفيع، هو الذروة في البلاغة. وليس المراد بالتناهي أن ينهى كل واحد منهم الآخر عما يجترحه من المنكر، كما هو المتبادر والمشهور لصيغة التفاعل، بل المراد مجرد صدور النهي عن أشخاص متعددة، من غير اعتبار أن يكون كل واحد ناهيا ومنهيّا، فكان الإخلال بالتناهي بعد الأمر به معصية.
الفوائد :
القاعدة تقول : إن كل جزأين مفردين من صاحبيهما إذا أضيفا الى كليهما من غير تفريق جاز فيهما ثلاثة أوجه :
١- لفظ الجمع تقول : قطعت رؤوس الكبشين.
إعراب القرآن وبيانه، ج ٢، ص : ٥٤٠
٢- لفظ التثنية تقول : قطعت رأسي الكبشين.
٣- لفظ الإفراد تقول : قطعت رأس الكبشين.
و قوله في الآية على لسان داود وعيسى بالإفراد دون التثنية والجمع.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٠ الى ٨١]
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)
الإعراب :
(تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة النبي بشأن بني إسرائيل الذين يوالون الكفار من أهل مكة.


الصفحة التالية
Icon