فصدر البيت الثاني وعجزه يدلّان على معنى واحد، لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوّغ ذلك أنه مقام مدح وإطراء، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره، في التكرير! وفي قبالته لو كان القائل هاجيا فإن الهجاء في هذا كالمدح.
و نحب هنا أن نستدرك فنقول ليس كل تكرير حسنا، فبعضه يكون غثا كقول أبي الطيب المتنبي من قصيدته البديعة التي يقول في مطلعها :
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
و هذا من أجمل الشعر وأروعه، على أنه ما لبث أن قال :
العارض الهتن ابن العارض ال هتن العارض الهتن ابن العارض الهتن
إعراب القرآن وبيانه، ج ٣، ص : ١٦
فهذا ليس من التكرير المستحسن، لأنه كقولك : الموصوف بكذا ابن الموصوف بكذا وكذا، أي إنه عريق النسب بهذا الوصف، فلم يأت بجديد، ثم اللفظ ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، فإن استعمالها في حالة التركيب يذهب بحسنها. ومن طريف التكرير قول المقنع الكندي :
و إنّ الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
و إن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا
و حسبنا ما تقدم الآن.
[سورة المائدة (٥) : آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْ ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤)
اللغة :
(لَيَبْلُوَنَّكُمُ) : ليختبرن طاعتكم.
إعراب القرآن وبيانه، ج ٣، ص : ١٧
الاعراب :