٢- في قوله « تاللّه تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا » فن أصيل في البلاغة وهو ما يسمّى « ائتلاف اللفظ مع المعنى » وهو نسمة الحياة في الفن، وعموده الذي يقوم عليه ويتلخص بأن تكون ألفاظ المعنى المراد متلائمة بعضها مع بعض ليس فيها لفظة نابية أو قلقة عن أخواتها بحيث يمكن استبدالها ولا بد من ملاحظة أشياء ثلاثة في هذا الصدد وهي :
آ- اختيار الألفاظ المفردة وحكم ذلك حكم اللآلئ المبدّدة فانها تتخير وتنتقى قبل النظم.
ب- نظم كل كلمة مع أختها المشكلة لها.
ج- الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه وهذا الموضع جم الشعاب دقيق المسلك يضل عنه الكثيرون إلا من أشرقت نفوسهم بضياء المعرفة واليقين وسنورد أمثلة منه قبل أن تتناول الآية
إعراب القرآن وبيانه، ج ٥، ص : ٣٨
فمن ذلك قوله تعالى :« و ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه » وقوله تعالى « رب إني نذرت لك ما في بطني محررا » فاستعمل الجوف في الأولى واستعمل البطن في الثانية ولم يستعمل الجوف موضع البطن ولا البطن موضع الجوف واللفظتان سواء في الدلالة وهما ثلاثيتان في عدد واحد ووزنهما واحد أيضا ولو استعمل هذه موضع تلك لكان الكلام نافرا قلقا وعلى هذا ورد قول الأعرج من أبيات الحماسة :
نحن بنو الموت إذا الموت نزل لا عار بالموت إذا حم الأجل
الموت أحلى عندنا من العسل وقال أبو الطيب المتنبي :
إذا شئت حفت بي على كل سابح رجال كأن الموت في فمها شهد
فهاتان لفظتان هما العسل والشهد وكلاهما حسن مستعمل لا يشك في حسنه واستعماله وقد وردت لفظة العسل في القرآن دون لفظة الشهد لأنها أحسن منها ومع هذا فإن لفظة الشهد وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج.