وقد تضمنت هاتان الآيتان من بدائع الصنعة، ودقائق الحكمة، وظهور البراهين، ما اقتضى تعالى أنه المنفرد بالإيجاد، المتكفل للعباد، دون غيره من الأنداد، التي لا تخلق ولا ترزق ولا لها نفع ولا ضر، ألا لله الخلق والأمر. قال بعض أصحاب الإشارات : لما امتن تعالى عليهم بأنه خلقهم والذين من قبهلم، ضرب لهم مثلاً يرشدهم إلى معرفة كيفية خلقهم، وأنهم وإن كانوا متوالدين بين ذكر وأنثى، مخلوقين ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾، هو تعالى خالقهم على الحقيقة، ومصوّرهم في الأرحام كيف يشاء، ومخرجهم طفلاً، ومربيهم بما يصلحهم من غذاء وشراب ولباس، إلى غير ذلك من المنافع التي تدعو حاجتهم إليها فجعل الأرض التي هي فراش مثل الأم التي يفترشها الزوج، وهي أيضاً تسمى فراشاً، وشبه السماء التي علت على الأرض بالأب الذي يعلو على الأم ويغشاها، وضرب الماء النازل من السماء مثلاً للنطفة التي تنزل من صلب الأب، وضرب ما يخرج من الأرض من الثمرات بالولد الذي يخرج من بطن الأم، يؤنس تعالى بذلك عقولهم ويرشدها إلى معرفة كيفية التخليق، ويعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج له من بطن أمه، كما أنه الخالق للثمرات ومخرجها من بطون أشجارها، ومخرج أشجارها من بطن الأرض، فإذا أوضح ذلك لهم أفردوه بالإلهية، وخصوه بالعبادة، وحصلت لهم الهداية.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٩٢
قوله تعالى :﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِا وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ﴾ إن : حرف ثنائي الوضع يكون شرطاً، وهو أصل أدواته، وحرف نفي، وفي إعماله إعمال ما الحجازية خلاف، وزائداً مطرداً بعد ما النافية، وقبل مدة الإنكار، ولا تكون بمعنى إذ خلافا لزاعمه، ولا يعد من مواضعه المخففة من الثقيلة لأنها ثلاثية الوضع، ولذلك اختلف حكمها في التصغير. العبد : لغة المملوك الذكر من جنس الإنسان، وهو راجع لمعنى العبادة، وتقدم شرحها. الإتيان : المجيء، والأمر منه : ائت، كما جاء في لفظ القرآن، وشذ حذف فائه في الأمر قياساً واستعمالاً، قال الشاعر :
ت لي آل عوف فاندهم لي جماعةوسلٍ آل عوف أي شيء يضيرها
وقال آخر :
فإن نحن لم ننهض لكم فنبركمفتوناً قفوا دوناً إذن بالجرائم
السورة : الدرجة الرفيعة. ألم تر أن الله أعطاك سورة ؟ وسميت سورة القرآن بها لأن قارئها يشرف بقراءتها على من لم تكن عنده، كسور البناء. وقيل : لتمامها وكمالها، ومنه قيل للناقة التامة : سورة، أو لأنها قطعة من القرآن، من أسأرت، والسؤر فاصلها الهمز وخففت، قاله أبو عبيدة، والهمز فيها لغة. من مثله : المماثلة تقع بأدنى مشابهة، وقد ذكر سيبويه، رحمه الله، أن : مررت برجل مثلك، يحتمل وجوهاً ثلاثة، ولفظه مثل لازمة الإضافة لفظاً، ولذلك لحن بعض المولدين في قوله :
ومثلك من يملك الناس طراعلى أنه ليس في الناس مثل
ولا يكون محلاً خلافاً للكوفيين. وله في باب الصفة، إذا جرى على مفرد ومثنى ومجموع، حكم ذكر في
١٠١
النحو. الدعاء : الهتف باسم المدعو. الشهداء : جمع شهيد، للمبالغة، كعليم وعلماء، ولا يبعد أن يكون جمع شاهد، كشاعر وشعراء، وليس فعلاء باب فاعل، دون : ظرف مكان ملازم للظرفية الحقيقية أو المجازية، ولا يتصرف فيه بغير من. قال سيبويه : وأما دونك فلا يرفع أبداً. قال الفراء : وقد ذكر دونك وظروفاً نحوها لا تستعمل أسماء مرفوعة على اختيار، وربما رفعوا. وظاهر قول الأخفش : جواز تصرفه، خرج قوله تعالى، ومنادون ذلك على أنه مبتدأ وبني لإضافته إلى المبنى، وقد جاء مرفوعاً في الشعر أيضاً، قال الشاعر :
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠١
ألم ترني أني حميت حقيبتيوباشرت حد الموت والموت دونها
وتجيء دون صفة بمعنى رديء، يقال : ثوب دون، أي رديء، حكاه سيبويه في أحد قوليه، فعلى هذا يعرب بوجوه الإعراب ويكون دون مشتركاً. الصدق : يقابله الكذب، وهو مطابقة الخبر للمخبر عنه. لن : حرف نفي ثنائي الوضع بسيط، لا مركب من لا إن خلافاً للخليل في أحد قوليه، ولا نونها بدل من ألف، فيكون أصلها لا خلافاً للفرّاء، ولا يقتضي النفي على التأييد خلافاً للزمخشري في أحد قوليه، ولن هي أقصر نفياً من لا إذ لن تنفي ما قرب، ولا يمتد معنى النفي فيها كما يمتد في لا خلافاً لزاعمه، ولا يكون دعاء خلافاً لزاعمه، وعملها النصب، وذكروا أن الجزم بها لغة، وأنشد ابن الطراوة :
لن يخب الآن من رجائك منحرك دون بابك الحلقة
ولها أحكام كثيرة ذكرت في النحو. الوقود : اسم لما يوقد به، وقد سمع مصدراً، وهو أحد المصادر التي جاءت على فعول، وهي قليلة، لم يحفظ منها، فيما ذكر، الأستاذ أبو الحسن بن عصفور سوى هذا، والوضوء والطهور والولوع والقبول، الحجارة : جمع الحجر، والتاء فيها التأكيد تأنيث الجمع كالفحولة. أُعدّت : هيئت.