وقد تعرض الزمخشري هنا لذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، وليس ذلك من علم التفسير، وإنما هو من فوائد التفصيل والتسوير. من مثله : الهاء عائدة على ما، أو على عبدنا، والراجح الأول وهو قول أكثر المفسرين ورجحانه من وجوه : أحدها : أن الارتياب أولاً إنما جيء به منصباً على المنزل لا على المنزل عليه، وإن كان الريب في المنزل ريباً في المنزل عليه بالالتزام، فكان عود الضمير عليه أولى. الثاني : أنه قد جاء في نظير هذه الآية وهذا السياق قوله :﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ ﴿عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾. الثالث : اقتضاء ذلك كونهم عاجزين عن الإتيان، سواء اجتمعوا أو انفردوا، وسواء كانوا أميين أم كانوا غير أميين، وعوده على المنزل يقتضي كون آحاد الأدميين عاجزاً عنه، لأنه لا يكون مثله إلا الشخص الواحد الأمي. فأما لو اجتمعوا أو كانوا قارئين فلا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، فإذا جعلنا الضمير عائداً على المنزل، فمن : للتبعيض وهي في موضع الصفة لسورة أي بسورة كائنة من مثله.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠١
ويظهر من كلام الزمخشري تناقض في من هذه قال : من مثله متعلق بسورة صفة لها، أي بسورة كائنة من مثله فقوله متعلق بسورة يقتضي أن يكون معمولاً لها، وقوله صفة لها، أي بسورة كائنة من مثله يقتضي أن لا يكون معمولاً لها فتناقض كلامه ودافع آخره أوله، ولكن يحمل على أنه لا يريد التعلق الصناعي كتعلق الباء في نحو : مروري بزيد حسن، لكنه يريد التعلق المعنوي، أي تعلق الصفة بالموصوف، واحترز من القول الآخر أنها تتعلق بقوله : فأتوا، فلا يكون من مثله عائداً على المنزل، على ما سيأتي تبيينه إن شاء الله. وأجاز المهدوي وأبو محمد بن عطية أن تكون لبيان الجنس على تقدير أن يكون الضمير عائداً على المنزل، وتفسر المثلية بنظمه ورصفه وفصاحة معانيه التي تعرفونها، ولا يعجزهم إلا التأليف الذي خص به القرآن، أو في غيوبه وصدقه، وأجازا على هذا الوجه أيضاً أن تكون زائدة، وستأتي الأقوال في تفسير المثلية على عود الضمير إلى المنزل، إن شاء الله.
١٠٤
وقد اختلف النحويون في إثبات هذا المعنى لمن، والذي عليه أصحابنا أن من لا تكون لبيان الجنس، والفرق بين كونها للتبعيض ولبيان الجنس مذكور في كتب النحو. وأما كونها زائدة في هذا الموضع فلا يجوز، على مذهب الكوفيين وجمهور البصريين. وفي المثلية على كون الضمير عائداً على المنزل أقوال : الأول : من مثله في حسن النظم، وبديع الرصف، وعجيب السرد، وغرابة الأسلوب وإيجازه وإتقان معانيه. الثاني : من مثله في غيوبه من إخباره بما كان وبما يكون. الثالث : في احتوائه على الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والقصص، والحكم، والمواعظ، والأمثال. الرابع : من مثله في صدقه وسلامته من التبديل والتحريف. الخامس : من مثله، أي كلام العرب الذي هو من جنسه. السادس : في أنه لا يخلق على كثرة الرد، ولا تمله الأسماع، ولا يمحوه الماء، ولا تغنى عجائبه، ولا تنتهي غرائبه، ولا تزول طلاوته على تواليه، ولا تذهب حلاوته من لهوات تاليه. السابع : من مثله في دوام آياته وكثرة معجزاته. الثامن : من مثله، أي مثله في كونه من كتب الله المنزلة على من قبله، تشهد لكم بأن ما جاءكم به ليس هو من عند الله، كما قال تعالى :﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ﴾ وإن جعلنا الضمير عائداً على المنزل عليه، فمن متعلقة بقوله : فأتوا من مثل الرسول بسورة. ومعنى من على هذا الوجه ابتداء الغاية، ويجوز أن تكون في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف. وهي أيضاً لابتداء الغاية، أي بسورة كائنة من رجل مثل الرسول، أي ابتداء كينونتها من مثله.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠١
وفي المثلية على كون الضمير عائداً على المنزل على أقوال : الأول : من مثله من أمي لا يحسن الكتابة على الفطرة الأصلية. الثاني : من مثله لم يدارس العلماء، ولم يجالس الحكماء، ولم يؤثر عنه قبل ذلك تعاطي الأخبار، ولم يرحل من بلده إلى غيره من الأمصار. الثالث : من مثله على زعمكم أنه ساحر شاعر مجنون. الرابع : من مثله من أبناء جنسه وأهل مدرته، وذكر المثل في قوله : من مثله هو على سبيل الفرض على أكثر الأقوال التي فسرت بها المماثلة، إذا كان الضمير عائداً على المنزل، وعلى بعضها لا يكون على سبيل الفرض، وهو على قول من فسر أنه أراد بالمثل : كلام العرب الذي هو من جنسه، وأما إذا كان عائداً على المنزل عليه فليس على سبيل الفرض، لوجود أمي لا يحسن الكتابة، ولوجود من لم يدارس العلماء، ولوجود من هو ساحر على زعمهم ذلك في المنزل عليه.