﴿كُلَّمَا رُزِقُوا ﴾، تقدّم الكلام على كلما عند قوله تعالى :﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم﴾، وبينا كيفية التكرار فيها على خلاف ما يفهم أكثر الناس، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وأنه لما ذكر أن من آمن وعمل الصالحات لهم جنات صفتها كذا، هجس في النفوس حيث ذكرت الجنة الحديث عن ثمار الجنات، وتشوقت إلى ذكر كيفية أحوالها، فقيل لهم :﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ﴾، وأجيز أن تكون الجملة لها موضع من الإعراب : نصب على تقدير كونها صفة للجنات، ورفع : على تقدير خبر مبتدأ محذوف. ويحتمل هذا وجهين : إما أن يكون المبتدأ ضميراً عائداً على الجنات، أي هي ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا﴾، أو عائداً على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، أي هم كلما رزقوا، والأولى الوجه الأول لاستقلال الجملة فيه لأنها في الوجهين السابقين تتقدّر بالمفرد، فهي مفتقرة إلى الموصوف، أو إلى المبتدأ المحذوف.
١١٣
وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من الذين آمنوا تقديره مرزوقين على الدوام، ولا يتم له ذلك إلا على تقدير أن يكون الحال مقدرة، لأنهم وقت التبشير لم يكونوا مرزوقين على الدوام. وأجاز أيضاً أن تكون حالاً من جنات لأنها نكرة قد وصفت بقوله : تجري، فقربت من المعرفة، وتؤول أيضاً إلى الحال المقدرة. والأصل في الحال أن تكون مصاحبة، فلذلك اخترنا في إعراب هذه الجملة غير ما ذكره أبو البقاء. ومن : في قوله : منها، هي لابتداء الغاية، وفي : من مثمرة كذلك، لأنه بدل من قوله : منها، أعيد معه حرف كقوله تعالى :﴿كُلَّمَآ أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، على أحد الاحتمالين، وكلتاهما تتعلق برزقوا على جهة البدل، كما ذكرناه، لأن الفعل لا يقضي حرفي جر في معنى واحد إلا بالعطف، أو على طريقة البدل، وهذا البدل هو بدل الاشتمال. وقد طول الزمخشري في إعراب قوله : من ثمرة، ولم يفصح بالبدل، لكن تمثيله يدل على أنه مراده، وأجاز أن يكون من ثمرة بياناً على منهاج قولك : رأيت منك أسداً، تريد أنت أسد، انتهى كلامه. وكون من للبيان ليس مذهب المحققين من أهل العربية، بل تأولوا ما استدل به من أثبت ذلك، ولو فرضنا مجيء من للبيان، لما صح تقديرها للبيان هنا، لأن القائلين بأن من للبيان قدروها بمضمر وجعلوه صدراً لموصول صفة، إن كان قبلها معرفة، نحو :
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٩
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاوْثَـانِ﴾، أي الرجس الذي هو الأوثان، وإن كان قبلها نكرة، فهو يعود على تلك النكرة نحو : من يضرب من رجل، أي هو رجل، ومن هذه ليس قبلها ما يصلح أن يكون بياناً له، لا نكرة ولا معرفة، إلا إن كان يتمحل لذلك أنها بيان لما بعدها، وأن التقدير : كلما رزقوا منها رزقاً من ثمرة، فتكون من مبينة لرزقاً، أي : رزقاً هو ثمرة، فيكون في الكلام تقديم وتأخير. فهذا ينبغي أن ينزه كتاب الله عن مثله. وأما : رأيت منك أسداً، فمن لابتداء الغاية أو للغاية ابتداء وانتهاء، نحو : أحدته منك، ولا يراد بثمرة الشخص الواحد من التفاح أو الرمان أو غير ذلك، بل المراد، والله أعلم، النوع من أنواع الثمار. قال الزمخشري : وعلى هذا، أي على تقدير أن تكون من بياناً يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنات الواحدة، انتهى كلامه. وقد اخترنا أن من لا تكون بياناً فلا نختار ما ابتنى عليه، مع أن قوله : والجنات الواحدة مشكل يحتاج فهمه إلى تأمل، ورزقاً هنا هو المرزوق، والمصدر بعيد جداً لقوله :﴿هَـاذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾، فإن المصدر لا يؤتى به متشابهاً، إنما هذا من الإخبار عن المرزوق لا عن المصدر.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٩


الصفحة التالية
Icon