وفيه تعقب أن اللغة الواحدة أولى من الأخرى، وذلك أن جمع ما لا يعقل، إما أن يكون جمع قلة، أو جمع كثرة إن كان جمع كثرة فمجيء الضمير على حد ضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات، وإن كان جمع قلة فالعكس، نحو : الأجذاع انكسرن، ويجوز انكسرت، وكذلك إذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات الأولى فيه النون من التاء، فإذا بلغن أحلهن، والوالدات يرضعن، ولم يفرقوا في ذلك بين جمع القلة والكثرة كما فرقوا في جمع ما لا يعقل. فعلى هذا الذي تقرر تكون قراءة زيد الأولى إذ جاءت في الظاهر على ما هو أولى. ومجيء هذه الصفة مبنية للمفعول، ولم تأت ظاهرة أو ظاهرات، أفخم لأنه أفهم أن لها مطهِّراً وليس إلا الله تعالى. وقراءة عبيد بن عمير مطهرة، وأصله متطهرة، فأدغم. وفي كلام بعض العرب ما أحوجني إلى بيت الله فاطهر به أطهرة، أي : فأتطهر به تطهرة، وهذه القراءة مناسبة لقراءة الجمهور، لأن الفعل مما يحتمل أن يكون مطاوعاً نحو : طهرته فتطهر، أي أن الله تعالى طهرهن فتطهرن. وهذه الأزواج التي وصفها الله بالتطهير إن كن من الحور العين، كما روي عن عبد الله. فمعنى التطهير : خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي وإن كن من بني آدم، كما روي عن الحسن : عن عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب، فقيل : مطهرة من العيوب الذاتية وغير الذاتية، وقيل : مطهرة من الأخلاق السيئة والطبائع
١١٧
الرديئة، كالغضب والحدة والحقد والكيد المكر، وما يجري مجرى ذلك، وقيل : مطهرة من الفواحش والخنا والتطلع إلى غير أزواجهن، وقيل : مطهرة من الأدناس الذاتية، مثل الحيض والنفاس والجنابة والبول والتغوط وغير ذلك من المقادير الحادثة عن الأعراض المنقبلة إلى فساد : كالبخر والذفر والصنان والقيح والصديد، أو إلى غير فساد : كالدمع والعرق والبصاق والنخامة. وقيل : مطهرة من مساوىء الأخلاق، لا طمحات ولا مرجات ولا يغرن ولا يعزن. وقال النخعي : الولد. وقال يمان : من الإثم والأذى، وكل هذه الأقوال لا يدل على تعيينها قوله تعالى :﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ لكن ظاهر اللفظ يقتضي أنهن مطهرات من كل ما يشين، لأن من طهره الله تعالى ووصفه بالتطهير كان في غاية النظافة والوضاءة. ولما ذكر تعالى مسكن المؤمنين ومطعهمهم ومنحكهم، وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع توقع خوف الزوال، ولذلك قيل :
أشد الغم عندي في سرورتيقن عنه صاحبه ارتحالا
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٩
أعقب ذلك تعالى بما يزيل تنغيص التنعم بذكر الخلود في دار النعيم، فقال تعالى :﴿وَهُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ﴾. وقد تقدم ذكر الخلاف في الخلود، وأن المعتزلة تذهب إلى أنه البقاء الدائم الذي لا ينقطع أبداً، وأن غيرهم يذهب إلى أنه البقاء الطويل، انقطع أو لم ينقطع، وأن كون نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار سرمدي لا ينقطع، ليس مستفاداً من لفظ الخلود بل من آيات من القرآن وأحاديث صحاح من السنة، قال تعالى :﴿خَـالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾، وقال تعالى :﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. وفي الحديث :"يا أهل الجنة خلود بلا موت". وفي حديث أخرجه مسلم في وصف أهل الجنة :"وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً". إلى غير ذلك من الآي والأحاديث.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٩