﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ ظاهره الانقطاع في الإعراب عن ما قبله، فيكون على حذف موصوف هو مبتدأ، ومن الذين خبره، والتقدير : من الذين خبره، والتقدير : من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم، وهذا مذهب سيبويه، وأبى عليّ، وحذف الموصوف بعد من جائز وإن كانت الصفة فعلاً كقولهم : منا ظعن، ومنا أقام أي : منا نفر ظعن، ومنا نفر أقام. وقال الشاعر :
وما الدهر إلا تارتان فمنهماأموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد : فمننهما تارة أموت فيها. وخرّجه الفرّاء على إضمار من الموصولة أي : من الذين هادوا من يحرفون الكلم، وهذا عند البصريين لا يجوز. وتأولوا ما جاء مما يشبه هذا على أنه من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قال الفرّاء : ومثله قول ذي الرّمة :
فظلوا ومنهم دمعه سابق لهاوآخر يثني دمعة العين باليد
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٠
وهذا لا يتعين أن يكون المحذوف موصولاً، بل يترجح أن يكون موصوفاً لعطف النكرة عليه وهو آخر، إذ يكون التقدير : فظلوا ومنهم عاشق دمعه سابق لها. وقيل : هو على إضمار مبتدأ التقدير : هم من الذين هادوا، ويحرفون حال من ضمير هادوا، ومن الذين هادوا متعلق بما قبله، فقيل : بنصيراً أي نصيراً من الذين هادوا، وعداه بمن كما عداه في :﴿وَنَصَرْنَـاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ وفمن ينصرنا من بأس الله} ومنعناه وفمن يمنعنا. وقيل : من الذين هادوا بيان لقوله : بأعدائكم، وما بينهما اعتراض. وقيل : حال من الفاعل في يريدون قاله أبو البقاء. قال : ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في أوتوا لأن شيئاً واحداً لا يكون له أكثر من حال واحدة، إلا أن يعطف بعض الأحوال على بعض، ولا يكون حالاً من الذين لهذا المعنى انتهى. وما ذكره من أن ذا الحال إذا لم يكن متعدداً لا يقتضي أكثر من حال واحدة، مسئلة خلاف فمن النحويين من أجاز ذلك. وقيل : من الذين هادوا بيان ومنعناه وفمن يمنعنا. وقيل : من الذين هادوا بيان لقوله : بأعدائكم، وما بينهما اعتراض. وقيل : حال من الفاعل في يريدون قاله أبو البقاء. قال : ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في أوتوا لأن شيئاً واحداً لا يكون له أكثر من حال واحدة، إلا أن يعطف بعض الأحوال على بعض، ولا يكون حالاً من الذين لهذا المعنى انتهى. وما ذكره من أن ذا الحال إذا لم يكن متعدداً لا يقتضي أكثر من حال واحدة، مسئلة خلاف فمن النحويين من أجاز ذلك. وقيل : من الذين هادوا بيان ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَـابِ﴾ لأنهم يهود ونصارى، وقوله :﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآاِكُمْ﴾ وكفى بالله ولياً ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض قاله الزمخشر، وبدأ به. ويضعفه أن هذه جمل ثلاث، وإذا كان الفارسي قد منع أن يعترض بجملتين، فأحرى أن يمنع أن يعترض بثلاث.
يحرفون الكلم أي : كلم التوراة، وهو قول الجمهور. أو كلم القرآن وهو قول طائفة، أو كلم الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو قول ابن عباس. قال : كان اليهود يأتون النبي صلى الله عليه وسلّم ويسألونه عن الأمر فيخبرهم، ويرى
٢٦٢
أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا الكلام. وكذا قال مكي : إنه كلام النبي صلى الله عليه وسلّم. فتحريف كلم التوراة بتغيير اللفظ، وهو الأقل لتحريفهم أسمر ربعة في صفته عليه السلام بآدم طوال مكانه، وتحريفهم الرجم بالحديد له، وبتغيير التأويل، وهو الأكثر قاله الطبري. وكانوا يتأوّلون التوراة بغير التأويل الذي تقتضيه معاني ألفاظها الأمور يختارونها ويتوصلون بها إلى موال سفلتهم، وأن التحريف في كلم القرآن أو كلم الرسول فلا يكون إلا في التأويل.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٠
وقرىء : يحرّفون الكلم بكسر الكاف وسكون اللام، جمع كلمة تخفيف كلمة. وقرأ النخعي وأبو رجاء : يحرفون الكلام، وجاء هنا عن مواضعه. وفي المائدة جاء :﴿عَن مَّوَاضِعِهِا﴾ وجاء ﴿مِنا بَعْدِ مَوَاضِعِهِا﴾.


الصفحة التالية
Icon