نطمس وجوهاً أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم، فنردها على أدبارها، فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الإقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بالعقابين أحدهما عقيب الآخر ردها على أدبارها بعد طمسها، فالمعنى : أن نطمس وجوهاً فننكسها الوجوه إلى خلف، والإقفاء إلى قدام انتهى. والطمس بمعنى المحو الذي ذكره مروي عن ابن عباس، واختاره القتبي. وقال قتادة والضحاك : معناه نعمى أعينها. وذكر الوجوه وأراد العيون، لأن الطمس من نعوت العين. قال تعالى :﴿فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾. ويروى هذا أيضاً عن ابن عباس. وقال الفراء : طمس الوجوه جعلها منابت للشعر كوجوه القردة. وقيل : ردها إلى صورة بشيعة كوجوه الخنازير والقردة. وقال مجاهد والسدّي والحسن. ذلك تجوز، والمراد وجوه الهدى والرشد، وطمسها حتم الإضلال والصد عنها، والرد على الإدبار التصيير إلى الكفر. وقال ابن زيد : الوجوه هي أوطانهم وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها، وطمسها إخراجهم منها. والرد على الإدبار رجوعهم إلى الشام من حيث أتوا أولاً. وحسّن الزمخشري هذا القول، فقال : ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم أي : من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، وتكسوها صغارهم وأدبارهم، أو نردهم إلى حيث جاؤا منه. وهي أذرعات الشام، يريد إجلاء بني النضير انتهى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ هو معطوف على قوله : أن نطمس. وظاهر اللعنة هو المتعارف كما في قوله :﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾. وقال الحسن : معناه نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت. وقال ابن عطية : هم أصحاب ايلة الذين اعتدوا في السبت بالصيد، وكانت لعنتهم إن مسخوا خنازير وقردة. وقيل : معناه نهيمهم في التيه حتى يموت أكثرهم.
وظاهر قوله : من قبل أن نطمس أو نلعن، أنَّ ذلك يكون في الدنيا. ولذلك روي أنَّ عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه فأسلم وقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي. وقال مالك : كان إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية، فوضع كفه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه، وقال : والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. وقيل : الطمس المسخ لليهود قبل يوم القيامة ولا بد. وقيل : المراد أنه يحل بهم في القيامة، فيكون ذلك أنكى لهم لفضيحتهم بين الأوّلين والآخرين، ويكون ذلك أول ما عجل لهم من العذاب. وهذا إذا حمل طمس الوجوه على الحقيقة، وإمّا إن أريد بذلك تغيير أحوال وجهائهم أو وجوه الهدى والرشد، فقد وقع ذلك. وإن كان الطمس غير ذلك فقد حصل اللعن، فإ نهم ملعونون بكل لسان. وتعليق الإيمان بقبلية أحد أمرين لا يلزم منه وقوعهما، بل متى وقع أحدهما صح التعليق، ولا يلزم من ذلك تعيين أحدهما. وقيل : الوعيد مشروط بالإيمان، وقد آمن منهم ناس. ومن قبل : متعلق بآمنوا، وعلى أدبارها متعلق بفنردها.
وقال أبو البقاء : على أدبارها حال من ضمير الوجوه، والضمير المنصوب في نلعنهم.
قيل : عائد على الوجوه إن أريد به الوجهاء، أو عائد على أصحاب الوجوه، لأن المعنى : من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو على الذين أوتوا الكتاب على طريق الالتفات، وهذا عندي أحسن. ومحسن هذا الالتفات هو أنه تعالى لما ناداهم كان ذلك تشريفاً لهم، وهز السماع ما يلقيه إليهم، ثم ألقى إليهم الأمر بالإيمان بما نزل، ثم ذكر أنّ الذي نزل هو مصدق لما معهم من كتاب، فكان ذلك أدعى إلى الإيمان، ثم ذكر هذا الوعيد البالغ فحذف المضاف إليه من قوله : من قبل أن نطمس وجوها
٢٦٧
والمعنى : وجوهكم، ثم عطف عليه قوله : أو نلعنهم، فأتى بضمير الغيبة، لأن الخطاب حين كان الوعيد بطمس الوجوه وباللعنة ليس لهم ليبقى التأنيس والهم والاستدعاء إلى الإيمان غير مشوب بمفاجأة الخطاب الذي يوحش السامع ويروع القلب ويصير أدعى إلى عدم القبول، وهذا من جليل المخاطبة. وبديع المحاورة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ الأمر هنا واحد الأمور، واكتفى به لأنه دال على الجنس، وهو عبارة عن المخلوقات : كالعذاب، واللعنة، والمغفرة. وقيل : المراد به المأمور، مصدر وقع موقع المفعول، والمعنى : الذي أراده أوجده. وقيل : معناه أنَّ كل أمر أخر تكوينه فهو كائن لا محالة والمعنى : أنه تعالى لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله. وقال : وكان إخباراً عن جريان عادة الله في تهديده الأمم السالفة، وأنَّ ذلك واقع لا محالة، فاحترزوا وكونوا على حذر من هذا الوعيد. ولذلك قال الزمخشري : ولا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا يعني : الطمس واللعنة.