وأورد بعض المفسرين الخلاف مفرقاً فقال : الجبت السحر قاله : عمر، ومجاهد، والشعبي. أو الأصنام رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء، أو كعب بن الأشرف. رواه الضحاك، عن ابن عباس. وليث، عن مجاهد. أو الكاهن روى عن ابن عباس، وبه قال : مكحول، وابن سيرين. أو الشيطان قاله : ابن جبير في رواية، وقتادة والسدى أو الساحر قاله : أبو العالية وابن زيد. وروى أبو بشر عن ابن جبير قال : الجبت الساحر بلسان الحبشة، وأما الطاغوت فالشيطان قاله : عمر، ومجاهد في رواية الشعبي وابن زيد. أو المترجمون بين يدى الأصنام رواه العوفى عن ابن عباس، أو كعب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال : الضحاك، والفرّاء. أو الكاهن قاله عكرمة أو الساحر، روى عن ابن عباس، وابن سيرين، ومكحول، أو كل ما عبد من دون الله قاله : مالك. وقال قوم : الجبت والطاغوت مترادفان على معنى واحد، والجمهور وأقوال المفسرين على خلاف ذلك، وأنهما اثنان. وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم الكلام على المغيبات جبتاً لكون علم الغيب يختص بالله تعالى. خرج أبو داود في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"الطرق والطيرة والعيافة من الجبت" الطرق الزجر، والعيافة الخط. فان الجبت والطاغوت الأصنام أو ما عبد من دون الله، فالإيمان بهما التصديق بأنهما آلهة يشركونهما في العبادة مع الله، وان كان حيياً، وكعباً، أو جماعة من اليهود، أو الساحر، أو الكاهن، أو الشيطان، فالإيمان بهم عبارة عن طاعتهم وموافقتهم على ما هم عليه، ويكون من باب اطلاق ثمرة الإيمان وهي الطاعة على الإيمان.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلا﴾ الضمير في يقولون عائد على الذين أوتوا. وفي سبب النزول ان كعباً هو قائل هذه المقالة، والجملة من يؤمنون حال، ويقولون معطوف على يؤمنون فهي حال. ويحتمل أنْ يكون استئناف أخبار تبين التعجب منهم كأنه قال : ألا تعجب إلى حال الذين أوتوا نصيباً، فكأنه قيل : وما حالهم وهم قد أوتوا نصيباً من كتاب الله ؟ فقال : يؤمنون بكذا، يقولون كذا. أي : أن أحوالهم متنافية. فكونهم أوتوا نصيباً من الكتاب يقتضي لهم أن لا يقعوا فيما وقعوا فيه، ولكن الحامل لهم على ذلك هو الحسد. واللام في للذين كفروا للتبليغ متعلقة بيقولون. والذين كفروا هم قريش، والإشارة بهؤلاء إليهم، والذين آمنوا هم النبي وأمته. والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك فيه، أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم.
﴿أُوالَئاِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ اشارة إلى مَنْ آمن بالجبت والطاغوت وقال تلك المقالة، أبعدهم الله تعالى ومقتهم.
﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَه نَصِيرًا﴾ أي من ينصره ويمنعه من آثار اللعنة وهو العذاب العظيم.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ﴾ أم هنا منقطعة التقدير : بل ألهم نصيب من الملك انتقل من الكلام إلى كلام تام، واستفهم على الانكار أن يكون لهم نصيب من الملك. وحكى ابن قتيبة أنَّ أم يستفهم بها ابتداء. وقال بعض المفسرين. أم هنا بمعنى بل، وفسروا على سبيل الاخبار أنهم ملوك أهل الدنيا وعتو وتنعم لا يبغون غير ذلك، فهم بخلاء حريصون على أن. لا يكون ظهور لغيرهم. والمعنى على القول الأوّل : ألهم نصيب من الملك ؟ فلو كان لهم نصيب من الملك لبخلوا به. والملك ملك أهل الدنيا، وهو الظاهر. أو ملك الله لقوله :"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لامسكتم خشية الانفاق" وقيل : المال، لأنه به ينال الملك وهو أساسه. وقيل : استحقاق الطاعة. وقيل : النبوة.
٢٧٢
وقيل : صدق الفراسة ذكره الماوردي. والأفصح إلغاء اذن بعد حرف العطف الواو والفاء، وعليه أكثر القرّاء.
وقرأ عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس : لا يؤنوا بحذف النون على إعمال اذن. والناس هنا العرب، أو المؤمنون، أو النبي، أو من اليهود وغيرهم أقوال. والنقير : النقطة في ظهر النواة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدى، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة في آخرين. وقيل : القشر يكون في وسط النواة، رواه التميمي عن ابن عباس. أو الخيط في وسط النواة، روى عن مجاهد، أو نقر الرجل الشيء بطرف إبهامه رواه أبو العالية عن ابن عباس. أو حبة النواة التي في وسطها رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال الأزهري : الفتيل والنقير، والقطمير، يضرب مثلاً للشيء التافة الحقير، وخصت الأشياء الحقيرة بقوله :"فتيلاً في قوله : ولا يظلمون فتيلا" وهنا بقوله نقيراً الوفاق النظير من الفواصل.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥