وقال ابن جريج : خطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم في شأن مفتاح الكعبة. وقال علي، وابن أسلم، وشهر، وابن زيد : خطاب لولاة المسلمين خاصة، فهو للنبي صلى الله عليه وسلّم وأمرائه، ثم يتناول مَن بعدهم. وقال ابن عباس : في الولاة أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهنّ إلى الأزواج. وقيل : خطاب لليهود أمروا برد ما عندهم من الأمانة، من نعتِ الرسول أنْ يظهروه لأهله، إذ الخطاب معهم قبل هذه الآية. ونقل التبريزي : أنها خطاب لأمراء السرايا بحفظ الغنائم ووضعها في أهلها. وقيل : ذلك عام فيما كلفه العبد من العبادات. والأظهر ما قدمناه من أنّ الخطاب عام يتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، وعدل الحكومات. ومنه دونهم من الناس في الودائع، والعواري، والشهادات، والرجل يحكم في نازلة. قال ابن عباس : لم يرخص الله لموسر ولا معسر أنْ يمسك الأمانة.
وقرىء : أن تؤدّوا الأمانة على التوحيد، وأن تحكموا، ظاهره : أن يكون معطوفاً على أن تؤدّوا، وفصل بين حرف العطف والمعطوف بإذا. وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا وجعله كقوله :﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاخِرَةِ حَسَنَةً﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنا بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ﴿سَبْعَ سَمَـاوَاتٍ وَمِنَ الارْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ففصل في هذه الآية بين الواو والمعطوف بالمجرور. وأبو عليّ يخص هذا بالشعر، وليس بصواب. فإن كان المعطوف مجروراً أعيد الجار نحو : امرر بزيد وغداً بعمرو. ولكنَّ قوله : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا، ليس من هذه الآيات، لأن حرف الجر يتعلق في هذه الآيات بالعامل في المعطوف، والظرف هنا ظاهره أنه منصوب بأن تحكموا، ولا يمكن ذلك لأن الفعل في صلة أن، ولا يمكن أن ينتصب بالناصب لأنْ تحكموا لأنّ الأمر ليس واقعاً وقت الحكم. وقد خرجه على هذا بعضهم. والذي يظهر أنّ إذاً معمولة لأنْ تحكموا مقدرة، وأنْ تحكموا المذكورة مفسرة لتلك المقدرة، هذا إذا فرغنا على قول الجمهور. وأما إذا قلنا بمذهب الفرّاء فإذا منصوبة بأن تحكموا هذه الملفوظ بها، لأنه يجير : يعجبني العسل أن يشرب، فتقدم معمول صلة أنْ عليها.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٧٦
﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِا﴾ أصله : معم ما، وما معرفة تامة على مذهب سيبويه والكسائي. كأنه قال : نعم الشيء يعظكم به، أي شيء يعظكم به. ويعظكم صفة لشيء، وشيء هو المخصوص بالمدح وموصولة على مذهب الفارسي في أحد قوليه. والمخصوص محذوف التقدير : نعم الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل، ونكرة في موضع نصب على التمييز ويعظكم صفة له على مذهب الفارسي في أحد قوليه، والمخصوص محذوف تقديره كتقدير ما قبله. وقد تأولت ما هنا على كل هذه
٢٧٧
الأقوال، وتحقيق ذلك في علم النحو. وقال ابن عطية : وما المردفة على نعم إنما هي مهيئة لاتصال الفعل بها كما هي في ربما، ومما في قوله : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم مما يحرك شفتيه وكقول الشاعر :
وإنا لمما نضرب الكبشر ضربةعلى رأسه تلقى اللسان من الفم
ونحوه. وفي هذا هي بمنزلة ربما، وهي لها مخالفة في المعنى : لأنّ ربما معناها التقليل، ومما معناها التكثير. ومع أن ما موطئه، فهي بمعنى الذي. وما وطأت إلا وهي اسم، ولكنّ القصد إنما هو لما يليها من المعنى الذي في الفعل انتهى كلامه. وهو كلام متهافت، لأنه من حيث جعلها موطئة مهيئة لا تكون اسماً، ومن حيث جعلها بمعنى الذي لا تكون مهيئة موطئة فتدافعا. وقرأ الجمهور : نعماً بكسر العين اتباعاً لحركة العين. وقرأ بعض القراء : نعماً بفتح النون على الأصل، إذ الأصل نعم على وزن شهد. ونسب إلى أبي عمرو سكون العين، فيكون جمعاً بين ساكنين.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعَا ﴾ أي لأقوالكم الصادرة منكم في الأحكام.
﴿بَصِيرًا﴾ بردّ الأمانات إلى أهلها.
﴿بَصِيرًا * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الامْرِ مِنكُمْ﴾ قيل : نزلت في أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وذكروا قصةً طويلة مضمونها : أنَّ عماراً أجار رجلاً قد أسلم، وفر أصحابه حين أنذروا بالسرة فهربوا، وأقام الرجل وإنّ أميرها خالداً أخذ الرجل وماله، فأخبره عمار بإسلامه وإجارته إياه فقال خالد : وأنت تجيز ؟ فاستبا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير على أمير.