﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ﴾ شرط وجوابه محذوف، أي : فردوه إلى الله والرسول. وهو شرط يراد به الحض على اتباع الحق، لأنه ناداهم أولاً بيا أيها الذين آمنوا، فصار نصير : إن كنت ابني فأطعني. وفيه إشعار بوعيد من لم يرد إلى الله والرسول.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ ذلك الرد إلى الكتاب والسنة، أو إلى أن تقولوا : الله ورسوله أعلم. وقال قتادة، والسدي، وابن زيد : أحسن عاقبة. وقال مجاهد : أحسن جزاء. وقيل : أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم. وقالت فرقة : المعنى : أن الله ورسوله أحسن نظراً وتأويلاً منكم إذا انفردتم بتأويلكم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّـاغُوتِ﴾ ذكر في سبب نزولها قصص طويل ملخصه : أنّ أبا بردة الأسلمي كان كاهناً يقضي بين اليهود، فتنافر إليه نفر من أسلم، أو أنّ قيساً الأنصاري أحد مَن يدعي الإسلام ورجلاً من اليهود تداعيا إلى الكاهن وتركا الرسول صلى الله عليه وسلّم بعدما دعا اليهودي إلى الرسول، والأنصاري يأبى إلا الكاهن. أو أنّ منافقاً ويهودياً اختصما، فاختار اليهودي الرسول صلى الله عليه وسلّم، واختار المنافق كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، ونجاكما إلى الرسول، فقضى لليهودي، فخرجا ولزمه المنافق، وقال : ننطلق إلى عمر، فانطلقا إليه فقال اليهودي : قد تحاكمنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم فلم يرض بقضائه، فأقرّ المنافق بذلك عند عمر، فقتله عمر وقال : هكذا أقضي فيمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها
٢٧٩
ظاهرة لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال مَن يدَّعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت ويترك الرسول. وظاهر الآية يقتضي أن تكون نزلت في المنافقين، لأنه قال : يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، فلو كانت في يهود أو في مؤمن ويهودي كان ذلك بعيداً من لفظ الآية، إلا إنْ حمل على التوزيع، فيجعل بما أنزل إليك في منافق، وما أنزل من قبلك في يهودي، وشملوا في ضمير يزعمون فيمكن. وقال السدي : نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت وتستقيه إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، ودعا المنافقون إلى بردة الكاهن، فنزلت. وقال الحسن : احتكم المنافقون بالقداح التي يضرب بها عند الأوثان فنزلت. أو لسبب اختلافهم في أسباب النزول اختلفوا في الطاغوت. فقيل : كعب بن الأشرف. وقيل : الأوثان. وقيل : ما عبد من دون الله. وقيل : الكهان.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٧٦
﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جملة حالية من قوله : يريدون، ويريدون حال، فهي حال متداخل. وأعاد الضمير هنا مذكراً، وأعاده مؤنثاً في قوله : اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها. وقرأ بها هنا عباس بن الفضل على التأنيث، وأعاد الضمير كضمير جمع العقلاء في قوله :﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّـاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم﴾.
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَـانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـا بَعِيدًا﴾ ضلالاً ليس جارياً على يضلهم، فيحتمل أن يكون جعل مكان إضلال، ويحتمل أن يكون مصدر المطاوع يضلهم، أي : فيضلون ضلالاً بعيداً. وقرأ الجمهور : بما أنزل إليك وما أنزل مبنياً للمفعول فيهما. وقرىء : مبنياً للفاعل فيهما.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَـافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ قرأ الحسن : تعالوا بضم اللام. قال أبو الفتح : وجهها أنَّ لام الفعل من تعاليت حذفت تخفيفاً، وضمت اللام التي هي عين الفعل لوقوع واو الجمع بعدها. ولظهر الزمخشري حذف لام الكلمة هنا بحذفها في قولهم : ما باليت به بالة، وأصله : بالية كعافية. وكمذهب الكسائي في آية، أن أصلها أيلة فحذفت اللام. قال : ومنه قول أهل مكة : تعالي بكسر اللام للمرأة. وفي شعر الحمداني :
تعالي أقاسمك الهموم تعالي


الصفحة التالية
Icon