وقيل : هو حاطب بن أبي بلتعة. وقيل : نزلت نافية لإيمان الرجل الذي قتله عمر، لكونه رد حكم النبي صلى الله عليه وسلّم، ومقيمة عذر عمر في قتله، قال النبي صلى الله عليه وسلّم :"ما كنت أظن أنّ عمر يجترىء على قتل رجل مؤمن". وأقسم بإضافة الرب إلى كاف الخطاب تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلّم، وهو التفات راجع إلى قوله : ولا في قوله : فلا. قال الطبري : هي رد على ما تقدم تقديره : فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله : وربك لا يؤمنون. وقال غيره : قدم لا على القسم اهتماماً بالنفي، ثم كررها بعد توكيداً للإهتمام بالنفي، وكان يصح إسقاط لا الثانية، ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي، ويذهب معنى الاهتمام. وقيل : الثانية زائدة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي. وقال الزمخشري : لا مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم. ولا يؤمنون جواب القسم. (فإن قلت) : هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر لا في. لا يؤمنون. (قلت) : يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله :﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ انتهى كلامه. ومثل الآية قول الشاعر :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٨٢
ولا والله لا يلقى لما بيولا للما بهم أبداً دواء
وحتى هنا غاية، أي : ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، فإذا وجد ما بعد الغاية كانوا مؤمنين. وفيما شجر بينهم عام في كل أمر وقع بينهم فيه نزاع وتجاذب. ومعنى يحكموك، يجعلوك حكماً. وفي الكلام حذف التقدير : فتقضي بينهم.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي ضيقاً من حكمك. وقال مجاهد : شكا لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له البيان. وقال الضحاك : إثماً أي : سبب إثم. والمعنى : لا يخطر ببالهم ما يأثمون به من عدم الرضا. وقيل : هماً وحزناً، ويسلموا أي ينقادوا ويذعنوا لقضائك، لا يعارضون فيه بشيء قاله : ابن عباس والجمهور. وقيل : معناه ويسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك، ذكره الماوردي، وأكد الفعل بالمصدر على سبيل صدور التسليم حقيقة، وحسَّنه كونه فاصلة. وقرأ أبو السمال : فيما شجر بسكون الجيم، وكأنه فرَّ من توالي الحركات، وليس بقوي لخفة الفتحة بخلاف الضمة والكسرة، فإن السكون بدلهما مطرد على لغة تميم.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَـارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ قالت اليهود لما لم يرض المنافق بحكم الرسول : ما رأينا أسخف من هؤلاء لا يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤن عقبه، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفاً. فقال ثابت بن قيس : لو كتب ذلك علينا لفعلنا فنزلت. وروي هذا السبب بألفاظ متغايرة والمعنى قريب.
ومعنى الآية : أنه تعالى لو فرض عليهم أنْ يقتلوا أنفسهم، إمّا أن يقتل نفسه بيده، أو يقتل بعضهم بعضاً، أو أن يخرجوا من ديارهم كما فرض ذلك على بني إسرائيل حين استتيبوا من عبادة العجل لم يطع منهم إلا القليل، وهذا فيه توبيخ عظيم حيث لا يمتثل أمر الله إلا القليل. وقال السبيعي : لما نزلت قال رجل : لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال :"إنّ من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" قال ابن وهب : الرجل القائل ذلك هو أبو بكر. وروي عنه أنه قال : لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي. وذكر النقاش : أنه عمر. وذكر أبو الليث السمرقندي : أن القائل منهم عمار، وابن مسعود، وثابت بن قيس.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٨٢
والضمير في عليهم قيل : يعود على المنافقين، أي : ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم. وقيل : يعود على الناس مؤمنهم ومنافقهم. وكسر النون مِن أن، وضم الواو من أو، أبو عمرو.
٢٨٤
وكسرهما حمزة وعاصم، وضمهما باقي السبعة. وأن هنا يحتمل أن تكون تفسيرية، وأن تكون مصدرية على ما قرروا أنَّ أنْ توصل بفعل الأمر.
وفي الآية دليل على صعوبة الخروج من الديار، إذ قرنه الله تعالى بقتل الأنفس، وقد خرج الصحابة المهاجرون من ديارهم وفارقوا أهاليهم حين أمرهم الله تعالى بالهجرة، وارتفع قليل، على البدل من الواو في فعلوه على مذهب البصريين، وعلى العطف على الضمير على قول الكوفيين، وبالرفع قرأ الجمهور. وقرأ أبيّ، وابن أي إسحاق، وابن عامر، وعيسى بن عمر : إلا قليلاً بالنصب، ونص النحويون على أن الاختيار في مثل هذا التركيب اتباع ما بعد إلا لما قبلها في الإعراب على طريقة البدل أو العطف، باعتبار المذهبين اللذين ذكرناهما.


الصفحة التالية
Icon