٢٩٣
هذه الجملة المتأخرة، بل يتعلق بمضمون الجملتين، والضمير الذي للخطاب هو للمؤمنين، وفي بينه للقائل. واعترض به بين أثناء الحملة الأخيرة، ولم يتأخر بعدها وإنْ كان من حيث المعنى متأخراً إذ معناه متعلق بمضمون الجملتين، لأن معمول القول النية به التقديم، لكنه حسن تأخيره كونه وقع فاصلة. ولو تأخرت جملة الاعتراض لم يحسن لكونها ليست فاصلة، والتقدير : ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة، إذ صدر منه قوله وقت المصيبة : قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً. وقوله : وقت الغنيمة يا ليتني كنت معهم، وهذا قول من لم تسبق منه مودة لكم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩١
وفي الآيتين تنبيه على أنهم لا يعدّون من المنح إلا أغراض الدنيا، يفرحون بما ينالون منها، ولا من المحن إلا مصائبها فيتألمون لما يصيبهم منها كقوله تعالى :﴿فَأَمَّا الانسَـانُ إِذَا مَا ابْتَلَـاهُ رَبُّهُ﴾ الآية. وتضمنت هذه الجملة أنواعاً من الفصاحة والبديع : دخول حرف الشرط على ما ليس بشرط في الحقيقة في قوله : إن كنتم تؤمنون. والإشارة في ذلك : خير أولئك الذين يعلم الله، فأولئك مع الذين، وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله. والاستفهام المراد به التعجب في : ألم تر إلى الذين يزعمون. والتجنيس المغاير في : أن يضلهم ضلالاً، وفي : أصابتهم مصيبة، وفي : وقل لهم في أنفسهم قولاً، وفي : يصدّون عنك صدوداً، وفي : ويسلموا تسليماً، وفي : فإنْ أصابتكم مصيبة، وفي : فأفوز فوزاً عظيماً. والاستعارة في : فإن تنازعتم، أصل المنازعة الجذب باليد، ثم استعير للتنازع في الكلام. وفي : ضلالاً بعيداً استعار البعد المختص بالأزمنة والأمكنة للمعاني المختصة بالقلوب لدوام القلوب عليها، وفي : فيما شجر بينهم استعار ما اشتبك وتضايق من الشجر للمنازعة التي يدخل بها بعض الكلام في بعض استعارة المحسوس للمعقول وفي : أنفسهم حرجاً أطلق اسم الحرج الذي هو من وصف الشجر إذا تضايق على الأمر الذي يشق على النفس للمناسبة التي بينهما وهو من الضيق والتتميم، وهو أن يتبع الكلام كلمة تزيد المعنى تمكناً وبياناً للمعنى المراد وهو في قوله قولاً بليغاً أي : يبلغ إلى قلوبهم ألمه أو بالغاً في زجرهم. وزيادة الحرف لزيادة المعنى في : من رسول أتت للاستغراق إذ لو لم تدخل لا وهم الواحد. والتكرار في : استغفر واستغفروا أنفسهم، وفي أنفسهم واسم الله في مواضع. والالتفات في : واستغفر لهم الرسول. والتوكيد بالمصدر في : ويسلموا تسليماً. والتقسيم البليغ في قوله : من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وإسناد الفعل إلى ما لا يصح وقوعه منه حقيقة في : أصابتكم مصيبة، وأصابكم فضل. وجعل الشيء من الشيء وليس منه لمناسبة في قوله : وإن منكم لمن ليبطئن. والاعتراض على قول الجمهور في قوله : كان لم يكن بينكم وبينه مودّة. والحذف في مواضع.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩١
٢٩٤
إدراك الشيء الوصول إليه ونيله. البرج : الحصن. وقيل : القصر. والبروج : منازل القمر، وكلها من برج إذا ظهر، ومنه التبرج وهو إظهار المرأة محاسنها، والبرج في العين اتساعها. المشيد : المصنوع بالشيد وهو الجص. يقال : شاد وشيد كرر العين للمبالغة، ككسرت العود مرة وكسرته في مواضع، وخرقت الثوب وخرقته إذا كان الخرق منه في مواضع. فعلى هذا يقال : شاد الجدار. ومنه قال والشاعر :
شاده مرمراً وجلله كلساً فللطير في ذراه وكور والمشيد : المطول المرفوع يقال : شيد وأشاد البناء رفعه وطوّله، ومنه أشاد الرجل ذكر الرجل إذا رفعه. الفقه : الفهم. يقال : فقهت الحديث إذا فهمته، وفقه الرجل صار فقيهاً.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩٤
﴿فَلْيُقَـاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا بِالاخِرَةِ﴾ قيل : نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد. ويشرون بمعنى يشترون. والمعنى : أخلصوا الإيمان بالله ورسوله، ثم جاهدوا في سبيل الله. وقيل : نزلت في المؤمنين بالجهاد من تخلف من ضعفة المؤمنين.