من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها. ثم ابتدأ بقوله : يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، والوقف على هذا الوجه أينما تكونوا انتهى كلامه. وهذا تخريج ليس بمستقيم، لا من حيث المعنى، ولا من حيث الصناعة النحوية. أما من حيث المعنى فإنه لا يناسب أن يكون متصلاً بقوله : ولا تظلمون فتيلاً، لأن ظاهر انتفاء الظلم إنما هو في الآخرة لقوله :﴿قُلْ مَتَـاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى ﴾ وأما من حيث الصناعة النحوية فإنه على ظاهر كلامه يدل على أنَّ أينما تكونوا متعلق بقوله : ولا تظلمون، ما فسره من قوله أي : لا تنقصون شيئماً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم الحرب أو غيرها، وهذا لا يجوز، لأن أينما اسم شرط، فالعامل فيه إنما هو فعل الشرط بعده. ولأن اسم الشرط لا يتقدم عليه عامله، فلا يمكن أن يعمل فيه، ولا تظلمون. بل إذا جاء نحو : اضرب زيداً متى جاء، لا يجوز أن يكون الناصب لمتى اضرب. فإن قال : يقدّر له جواب محذوف يدل عليه ما بله وهو : ولا تظلمون، كما تقدر في اضرب زيداً : متى جاء، فالتقدير : أينما تكونوا فلا تظلمون فتيلاً أي : فلا ينقص شيء من آجالكم وحذفه لدلالة ما قبله عليه. قيل له : لا يحذف الجواب إلا إذا كان فعل الشرط بصيغة الماضي، وفعل الشرط هنا مضارع. تقول العرب : أنت ظالم إن فعلت، ولا تقل أنت ظالم إن تفعل. وقرأ نعيم بن ميسرة : مشيدة بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً، كما قال : قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر ناظمها.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩٤
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَـاذِهِا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـاذِهِا مِنْ عِندِكَ﴾ قال ابن عباس : الضمير للمنافقين واليهود، وقال الحسن : للمنافقين، وقال السدي : لليهود. والظاهر أنه للمنافقين لأن مثل هذا لا يصدر من مؤمن، واليهود لم يكونوا في طاعة الإسلام حتى يكتب عليهم القتال. وروي عن ابن عباس : أن الحسنة هنا هي السلامة والأمن، والسيئة الأمراض والخوف. وعنه أيضاً : الحسنة الخصب والرخاء، والسيئة الجدب والغلاء. وعنه أيضاً : الحسنة السراء، والسيئة الضراء. وقال الحسن وابن زيد : الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد. وقيل : الحسنة الغنى، والسيئة الفقر. والمعنى : أن هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى الله تعالى، وأنها ليست باتباع الرسول، ولا الإيمان به، وإنّ تصبهم سيئة أضافوها إلى الرسول وقالوا : هي بسببه، كما جاء في قوم موسى :﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُا ﴾ وفي قوم صالح :﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾. وروى جماعة من المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلّم لما قدم المدينة قال اليهود والمنافقون : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.
﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أمر الله نبيه أن يخبرهم أنَّ كلاً من الحسنة والسيئة إنما هو من عند الله، لا خالق ولا مخترع سوا، فليس الأمر كما زعمتم، فالله تعالى وحده هو النافع الضار، وعن إرادته تصدر جميع الكائنات.
﴿هَـا ؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ هذا استفهام معناه التعجب من هذه المقالة، وكيف ينسب ما هو من عند الله لغير الله ؟ أي أن هؤلاء كانوا ينبغي لهم أن يكونوا ممن يتفهم الأشياء، ويتوقفون عما يريدون أن يقولوا حتى يعرضوه على عقولهم. وبالغ تعالى في قلة فهمهم وتعلقهم، حتى نفى مقاربه الفقه، ونفى المقاربة أبلغ من نفي الفعل. وهذا النوع من الاستفهام يتضمن إنكار ما استفهم عن علته، وأنه ينبغي أن يوجد مقابله. فإذا قيل : ما لك قائماً، فهو إنكار للقيام، ومتضمن أن يوجد مقابله. وإذا قيل : ما لك
٣٠٠
لا تقوم، فهو إنكار لترك القيام، ومتضمن أن يوجد مقابله. قيل في قوله : حديثاً، أي القرآن لو تدبروه لبصرهم في الدين، وأورثهم اليقين. وقال ابن بحر : لامهم على ترك التفقه فيما أعلمهم به وأدبهم في كتابه. ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله : فما، ووقف الباقون على اللام في قوله : فمال، اتباعاً للخط. ولا ينبغي تعمد ذلك، لأن الوقف على فما فيه قطع عن الخبر، وعلى اللام فيه قطع عن المجرور دون حرف الجر، وإنما يكون ذلك لضرورة انقطاع النفس.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩٤
﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ الخطاب عام كأنه قيل : ما أصابك يا إنسان. وقيل : للرسول صلى الله عليه وسلّم، والمراد غيره. وقال ابن بحر : هو خطاب للفريق في قوله :﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ قال : ولما كان لفظ الفريق مفرداً، صح أن يخبر عنه بلفظ الواحد تارة، وبلفظ الجمع تارة. وعليه قوله :
تفرق أهلاً نابثين فمنهمفريق أقام واستقل فريق


الصفحة التالية
Icon