﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه اتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَـانَ إِلا قَلِيلا﴾ هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين قاله : ابن عطية. قال : والمعنى لولا هداية الله لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم وهو اتباع الشيطان. وقيل : الفضل الرسول. وقيل : الإسلام. وقيل : القرآن. وقيل : في الرحمة أنها الوحي. وقيل : اللطف. وقيل : النعمة. وقيل : التوفيق. والظاهر أنّ الاستثناء هو من فاعل اتبعتم. قال الضحاك : هدى الكل منهم للإيمان، فمنهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك، ولا عنت له شبهة ارتياب، وذلك هو القليل، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، فلولا فضل الله بتجريد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان، ويكون الفضل معيناً أي : رسالة محمد صلى الله عليه وسلّم والقرآن، لأن الكل إنما هدي بفضل الله على الإطلاق.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٣
وقال قوم : إلا قليلاً إشارة إلى من كان قبل الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم، أدركوا بعقولهم معرفة الله ووحدوه قبل أن يبعث الرسول، كزيد بن عمرو بن نفيل أدرك فساد ما عليه اليهود والنصارى والعرب، فوحد الله وآمن به، فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً إذ ليس مندرجاً في المخاطبين بقوله : لاتبعتم.
وقال قوم : الاستثناء إنما هو من الاتباع، فقدره الزمخشري : إلا اتباعاً قليلاً، فجعله مستثنى من المصدر الدال عليه الفعل وهو لاتبعتم. وقال ابن عطية : في تقدير أن يكون استثناء من الاتباع قال : أي لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها، ففسره في الاستثناء بالمتبع فيه، فيكون استثناء من المتبع فيه المحذوف لا من الاتباع، ويكون استثناء مفرّعاً، والتقدير : لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا قليلاً من الأشياء فلا تتبعونه فيه. فإن كان ابن عطية شرح من حيث المعنى فهو صحيح، لأنه يلزم من الاستثناء
٣٠٧
الاتباع القليل أن يكون المتبع فيه قليلاً، وإن كان شرح من حيث الصناعة النحوية فليس بجيد، لأن قوله : إلا اتباعاً قليلاً، لا يرادف إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها. وقال قوم : قوله إلا قليلاً عبارة عن العدم، يريد : لاتبعتم الشيطان كلكم. قال ابن عطية : وهذا قول قلق، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم : أرض قلما تنبت كذا، بمعنى لا تنبته. لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها، ولكن ذكره الطبري انتهى. وهذا الذي ذكره ابن عطية صحيح، ولكن قد جوزه هو في قوله :﴿وَلَـاكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ ولم يقلق عنده هناك ولا رده، وقد رددناه عليه هناك فيطالع ثمة.
وقيل : إلا قليلاً مستثنى من قوله : أذاعوا به، والتقدير : أذاعوا به إلا قليلاً، قاله : ابن عباس وابن زيد، واختاره : الكسائي، والفراء، وأبو عبيد، وابن حرب، وجماعة من النحويين، ورجحه الطبري. وقيل : مستثنى من قوله : لعلمه الذين يستنبطونه منهم، قاله : الحسن، وقتادة، واختاره ابن عيينة. وقال مكي : ولولا فضل الله عليكم أي : رحمته ونعمته إذ عافاكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين الذين وصفهم بالتبييت، والخلاف لاتبعتم الشيطان هو خطاب للذين قال لهم :﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ وقيل : الخطاب عام، والقليل المستثنى هم أمة الرسول، لأنهم قليل بالنسبة إلى الكفار. وفي الحديث الصحيح :"ما أنتم إلا كالرقمة البيضاء في الثور الأسود".
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٣
﴿فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَا وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل : نزلت في بدر الصغرى. دعا الناس إلى الخروج، وكان أبو سفيان وعادَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت. فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده.
ومناسبة هذه الآية هي : أنه لما ذكر في الآيات قبلها تثبيطهم عن القتال، واستطرد من ذلك إلى أنَّ الموت يدرك كل أحد ولو اعتصم بأعظم معتصم، فلا فائدة في الهرب من القتال، وأتبع ذلك بما أتبع من سوء خطاب المنافقين للرسول عليه السلام، وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول وخلافها بالفعل، وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال، عاد إلى أمر القتال. وهكذا عادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق، ثم تعود إلى ذلك الأول.


الصفحة التالية
Icon