﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. هذا استفهام معناه النفي، التقدير : لا أحد أصدق من الله حديثاً. وفسر الحديث بالخبر أو بالوعد قولان، والأظهر هنا الخبر. قال ابن عطية : وذلك أنّ دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف أو الرجاء أو سوء السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقاً لما في قلبه، والأمر المخير عنه في وجوده انتهى. وقال الماتريدي : أي إنكم تقبلون حديث بعضكم من بعض مع احتمال صدقه وكذبه، فإنْ تقبلوا حديث من يستحيل عليه الكذب في كل ما أخبركم به من طريق الأولى. وطوّل الزمخشري هنا إشعاراً بمذهبه فقال : لا يجوز عليه الكذب، وذلك أنَّ الكذب مستقبل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب، ليجرّ منفعة، أو يدفع مضرة، أو هو غني عنه، إلا أنه يجهل غناه، أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في أخباره، ولا يبالي بأنهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء : أنه عوتب على الكذب فقال : لو غرغرت لهراتك به، ما فارقته. وقيل لكذاب : هل صدقت قط ؟ فقال : لولا أني صادق في قولي لا، لقلتها. فكان الحكيم الغني الذي لا تجوز عليه الحاجات، العالم بكل معلوم، منزهاً عنه كما هو منزه عن سائر القبائح انتهى. وكلامه تكثير لا يليق بكتابه، فإنه مختصر في التفسير. وقرأ حمزة والكسائي : أصدق بإشمام الصاد زاياً، وكذا فيما كان مثله من صاد ساكنة بعدها دال، نحو : يصدقون وتصدية. وأما إبدالها زاياً محضة في ذلك فهي لغة كلب. وأنشدوا :
يزيد الله في خيراتهحامي الذمار عنده مضد مصدوقاته
يريد : عند مصدوقاته.
﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَـافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ ذكروا في سبب نزولها أقوالاً طولوا بها وملخصها : أنّهم قوم أسلموا فاستوبؤا المدينة فخرجوا، فقيل هم : أما لكم في الرسول أسوة ؟ أو ناس رجعوا من أحد لِما خرج الرسول، وهذا في الصحيحين من قول زيد بن ثابت. أو ناس بمكة تكلموا بالإسلام وهم يعينون الكفار، فخرجوا من مكة. قال الحسن، ومجاهد : خرجوا الحاجة لهم، فقال قوم من المسلمين، اخرجوا إليهم فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقال قوم : كيف نقتلهم وقد تكلموا
٣١٢
بالإسلام ؟ رواه ابن عطية عن ابن عباس. أو قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، أو قوم أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة قاله : الضحاك. أو العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً، أو المنافقون الذين تكلموا في حديث الإفك.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
وما كان من هذه الأقوال يتضمن أنهم كانوا بالمدينة، يردّه قوله :﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلا إنْ حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه، والمعنى : أنه تعالى أنكر عليهم اختلافهم في نفاق من ظهر منه النفاق أي : من ظهر منه النفاق قطع بنفاقه، ولو لم يكونوا بادياً نفاقهم، لما أطلق عليه اسم النفاق. وفي المنافقين متعلق بما تعلق به لكم، وهو كائن أي : أيّ شيء كائن لكم في شأن المنافقين. أو بمعنى فئتين أي : فرقتين في أمر المنافقين. وانتصب فئتين على الحال عند البصريين من ضمير الخطاب في لكم، والعامل فيها العامل في لكم. وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على إضمار كان أي : كنتم فئتين. ويجيزون مالك الشاتم أي : كنت الشاتم، وهذا عند البصريين لا يجوز، لأنه عندهم حال، والحال لا يجوز تعريفها.
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ﴾ أي : رجّعهم وردّهم في كفرهم قاله : ابن عباس، واختار الفراء والزجاج : أوبقهم. روى عن ابن عباس : أو أضلهم، قاله السدي. أو أهلكهم قاله قتادة، أو نكسهم قاله الزجاج. وكلها متقاربة. ومن عبر به عن الإهلاك فإنه أخذ بلازم الإركاس. ومعنى بما كسبوا أي : بما أجراه الله عليهم من المخالفة، وذلك الاركاس هو بخلق الله واختراعه، وينسب للعبد كسباً.
وقال الزمخشري : والله أرسكهم أي : ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم، ولحوقهم بالمشركين، واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم. أو أركسهم في الكفر بأنْ خذلهم حتى ارتكبوا فيه لما علم من مرض قلوبهم انتهى. وهو جار على عقيدته الاعتزالية، فلا ينسب الاركاس إلى الله حقيقة، بل يؤوّله على معنى الخذلان وترك اللطف، أو على الحكم بكونهم من المشركين. إذ هم فاعلو الكفر ومخترعوه، لا الله تعالى الله عن قولهم.


الصفحة التالية
Icon