﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُم وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ أي. فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم الكفار يقتلون حيث
٣١٤
وجدوا في حل وحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم.
﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْما بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هذا استثناء من قوله : فخذوهم واقتلوهم، والوصول هنا : البلوغ إلى قوم. وقيل : معناه ينتسبون قاله أبو عبيدة. وأنشد الأعشى :
إذا اتصلت قالت لبكر بن وائلوبكر سبتها والأنوف رواغم
وقال النحاس : هذا غلط عظيم، لأنه ذهب إلى أنه تعالى حظر أن يقاتلَ أحدُ بينه وبين المسلمين نسب والمشركون قد كان بينهم وبين المسلمين السابقين أنساب. يعني : وقد قاتل الرسول ومن معه من انتسب إليهم بالنسب الحقيقي، فضلاً عن الانتساب. قال النحاس : وأشد من هذا الجهل قول من قال : إنه كان ثم نسخ، لأن أهل التأويل مجمعون على أنّ الناسخ له براءة، وإنما نزلت بعد الفتح، وبعد أن انقطعت الحروب، ووافقه على ذلك الطبري.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
وقال القرطبي : حمل بعض أهل العلم معنى ينتسبون على الأمان، أو أن ينتسب إلى أهل الأمان، لا على معنى النسب الذي هو القرابة انتهى. قال عكرمة : إلى قوم هم قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وادع الرسول على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليهم فله مثل ما لهلال. وروي عن ابن عباس : أنهم بنو بكر بن زيد مناة. والجمهور على أنّهم خزاعة وذو خزاعة. وقال مقاتل : خزاعة وبنو مدلج. وقال ابن عطية : كان هذا الحكم في أول الإسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد هادن من العرب قبائل كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بني جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، فقضت هذه الآية أنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلّم إلى هؤلاء أهل العهد، ودخل في عدادهم، وفعل فعلهم من الموادعة، وفعل فعلهم من الموادعة، فلا سبيل عليه. قال عكرمة والسدي وابن زيد : ثمّ لما تقوى الإسلام وكثرنا صره نسخت هذه الآية والتي بعدها بما في سورة براءة انتهى. وقيل : هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناف. والذين حصرت صدورهم هم، بنو مدلج، اتصلوا بقريش. وبه وعن ابن عباس : إنهم قوم من الكفار اعتزلوا المسلمين يوم فتح مكة، فلم يكونوا مع لكافرين، ولا مع المسلمين، ثم نسخ ذلك بآية القتال.
وأصل الاستثناء أن يكون متصلاً، وظاهر الآية وهذه الأقوال التي تقدّمت : أنه استثناء متصل. والمعنى : إلا الكفار الذين يصلون إلى قوم معاندين، أو يصلون إلى قوم جاؤوكم غير مقاتلين ولا مقاتلي قومهم. إن كان جاؤوكم عطفاً على موضع صفة قوم، وكلا العطفين جوز الزمخشري وابن عطية، إلا أنهما اختار العطف على الصلة. قال ابن عطية بعد أن ذكر العطف على الصلة قال : ويحتمل أن يكون على قوله : بينكم وبينهم ميثاق، والمعنى في العطفين مختلف انتهى. واختلافه أنّ المستثنى إمّا أن يكونا صنفين واصلاً إلى معاهد، وجائياً كافاً عن القتال. أو صنفاً واحداً يختلف باختلاف من وصل إليه من معاهد أو كاف. قال ابن عطية : وهذا أيضاً حكم، كان قبل أن يستحكم أمر الإسلام، فكان المشرك إذا جاء إلى دار الإسلام مسالماً كارهاً لقتال قومه مع المسلمين ولقتال المسلمين مع قومه، لا سبيل عليه. وهذه نسخت أيضاً بما في براءة انتهى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
وقال الزمخشري : الوجه العطف على العلة لقوله :﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـاتِلُوكُمْ﴾ الآية بعد قوله : فخذوهم واقتلوهم، فقرر أنّ كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض لهم، وترك الإيقاع بهم. (فإن قلت) : كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق ترك التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، فهلا
٣١٥