وأما من العاقلة فقيل هم العصبات الأربعة : الأب، والجدّوان علا، والابن، وابن الابن وإن سفل. وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه : هم أهل ديوانه دون أقربائه، فإن لم يكن القاتل من أهل الديوان فرضت على عاقلته الأقرب فالأقرب، ويضم إليهم القبائل في النسب. وقال الشافعي فيما روي عنه المزني في مختصره : العقل على ذوي الأنساب دون أهل الديوان والحلفاء، على الأقرب فالأقرب من بني أبيه ثم جدّه، ثم بني جد أبيه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
وأما المدة التي تؤدّي فيها الدية فقد انعقد الإجماع ووردت به الأحاديث الصحاح : أنها تتأدّى في ثلاث سنين، وفي الدية والعاقلة أحكام كثيرة تعرض لها بعض المفسرين وهي مذكورة في كتب الفقه.
ومعنى مسلمة إلى أهله : أي مؤدّاة مدفوعة إلى أهل المقتول، أي أوليائه الذين يرثونه يقتسمونها كالميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية. وإذا لم يكن وارث فهي لبيت المال. وقال شريك : لا يقضي من الدية دين، ولا تنفذ منها وصية. وقال ابن مسعود : يرث كل وارث منها غير القاتل، ومعنى قوله : إلا أن يصدقوا أي إلا أن يعفو ورّاثه عن الدية فلا دية. وجاء بلفظ التصدق تنبيهاً على فضيلة العفو وحضا عليه، وأنه جار مجرى الصدقة، واستحقاق الثواب الآجل به دون طلب العرض العاجل، وهذا حكم من قتل في دار الإسلام خطأ. وفي قوله : إلا أن يصدقوا، دليل على جواز البراءة من الدين بلفظ الصدقة، ودليل على أنه لا يشترط القبول في الإبراء خلافاً لزفر، فإنه قال : لا يبرأ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة. والظاهر أنَّ الجماعة إذا اشتركوا في قتل رجل خطأ أنه ليس عليهم كلهم إلا كفارة واحدة، لعموم قوله : ومن قتل، وترتيب تحرير رقبة واحدة، ودية على ذلك. وبه قالت طائفة هكذا قال أبو ثور، وحكى عن الأوزاعي ذلك، وقال الحسن، وعكرمة، والنخعي، والحارث، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي : على كل واحد منهم الكفارة.
وهذا الاستثناء قيل : منقطع، وقيل : إنه متصل. قال الزمخشري :(فإن قلت) : بم تعلق أن يصدقوا ؟ وما محله ؟ (قلت) : تعلق بعليه، أو بمسلمة. كأن قيل : وتجب عليه الدية أو يسلمها، إلا حين يتصدقون عليه، ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان كقولهم : اجلس ما دام زيد جالساً، ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى : إلا متصدقين انتهى كلامه. وكلا التخريجين خطأ. أما جعل أن وما بعدها ظرفاً فلا يجوز، نص النحويون على ذلك، وأنه مما انفردت به ما المصدرية ومنعوا أن تقول : أجيئك أن يصيح الديك، يريد وقت صياح الديك. وأما أن ينسبك منها
٣٢٣
مصدر فيكون في موضع الحال، فنصوا أيضاً على أن ذلك لا يجوز. قال سيبويه في قول العرب : أنت الرجل أن تنازل أو أن تخاصم، في معنى أنت الرجل نزالاً وخصومة، أنَّ انتصاب هذا انتصاب المفعول من أجله، لأن المستقبل لا يكون حالاً، فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعاً هو الصواب. وقرأ الجمهور يصدقوا، وأصله يتصدقوا، فأدغمت التاء في الصاد. وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن، وعبد الوارث عن أبي عمرو : تصدقوا بالتاء على المخاطبة للحاضرة. وقرىء : تصدقوا بالتاء وتخفيف الصاد، وأصله تتصدقوا، فحذف إحدى التاءين على الخلاف في أيهما هي المحذوفة. وفي حرف أبيّ وعبد الله : يتصدقوا بالياء والتاء.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والنخعي والسدي وعكرمة وغيرهم : المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدوّ لكم فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير رقبة. والسبب عندهم في نزولها : أنَّ جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل الكفرة، فربما قتل من آمن ولم يهاجر، أو من هاجر ثم رجع إلى قومه، فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار، فنزلت الآية. وسقطت الدية عند هؤلاء، لأن أولياء المقتول كفرة، فلا يعطون ما يتقوّون به. ولأنّ حرمته إذا آمن ولم يهاجر قليلة فلا دية. وإذا قتل مؤمناً في بلاد المسلمين وقومه حرب، ففيه الدية لبيت المال والكفارة. وقالت فرقة : الوجه في سقوط الدية أنّ أولياءه كفار، سواء أكان القتل خطأ بين أظهر المسلمين وبين قومه ولم يهاجر، واو هاجر ثم رجع إلى قومه، وكفارته ليس إلا التحرير، لأنه إنْ قتل بين أظهر قومه فهو مسلط على نفسه، أو بين أظهر المسلمين فأهله لا يستحقون الذية، ولا المسلمون لأنهم ليسوا أهله، فلا تجب على الحالين، هذا قول : مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي ثور. وقال ابراهيم : المؤمن المقتول خطأ إن كان قومه المشركون ليس بينهم وبين النبي عهد فعلى قاتله تحرير رقبة، أو كان فتؤدى ديته لقرابته المعاهدين.


الصفحة التالية
Icon