ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة وهي أنه تعالى لما ذكر جزاء من قتل مؤمناً متعمداً وأن له جهنم، وذكر غضب الله عليه ولعنته وإعداد العذاب العظيم له، أمر المؤمنين بالتثبت والتبين، وأن لا يقدم الإنسان على قتل من أظهر الإيمان، وأن لا يسفكوا دماً حراماً بتأويل ضعيف، وكرر ذلك آخر الآية تأكيداً أن لا يقدم عند الشبه والإشكال حتى يتضح له ما يقدم عليه، ولما كان خفاء ذلك منوطاً بالأسفار والغمزات قال : إذا ضربتم في الأرض، وإلا فالتثبت والتبين لازم في قتل من تظاهر بالإسلام في السفر وفي الحضر، وتقدم تفسير الضرب في قوله :﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الارْضِ﴾.
وقرأ حمزة والكسائي : فتثبتوا بالثاء المثلثة، والباقون : فتبينوا. وكلاهما تفعل بمعنى استفعل التي للطلب، أي : اطلبوا إثبات الأمر وبيانه، ولا تقدموا من غير روية وإيضاح. وقال قوم : تبينوا أبلغ وأشد من فتثبتوا، لأن المتثبت قد لا يتبين. وقال الراغب : لأنه قلما يكون إلا بعد تثبت، وقد يكون التثبت ولا تبين، وقد قوبل بالعجلة في قوله عليه السلام :﴿وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَـانِ﴾. وقال أبو عبيد هما : متقاربان. قال ابن عطية : والصحيح ما قال أبو عبيد، لأن تبين الرجل لا يقتضي أن الشيء بان، بل يقتضي محاولة للتبين، كما أنّ تثبت يقتضي محاولة للتبين، فهما سواء. وقال أبو علي الفارسي : التثبت هو خلاف الإقدام، والمراد : التأني، والتثبت أشد اختصاصاً بهذا الموضع. ومما يبين ذلك قوله :﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي أشد وقفاً لهم عن ما وعظوا بأن لا يقدموا عليه، وكلام الناس تثبَّتْ في أمرك. وقد جاء أنّ التبين من الله، والعجلة من الشيطان، ومقابلة العجلة بالتبين دلالة على تقارب اللفظين.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٧
والأكثرون على أنّ القاتل هو محلم، والمقتول عامر كما ذكرنا، وكذا هو في سير ابن إسحاق، ومصنف أبي داود، وفي الاستيعاب. وقيل : المقتول مرداس، وقاتله أسامة. وقيل : قاتله غالب بن فضالة الليثي. وقيل : القاتل أبو الدرداء. وقيل : أبو قتادة.
وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن كثير، والكسائي، وحفص، السلام بألف. قال الزجاج : يجوز أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الاستسلام. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، وابن كثير. من بعض طرقه، وجبلة عن المفضل عن عاصم : بفتح السين واللام من غير ألف، وهو من الاستسلام. وقرأ أبان بن زيد، عن عاصم : بكسر السين
٣٢٨
وإسكان اللام، وهو الانقياد والطاعة. قال ابن عطية : ويحتمل أن يراد بالسلام الانحياز والترك، قال الأخفش : يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحداً. قال أبو عبد الله الرازي : أي لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقاتلكم لست مؤمناً، وأصله من السلامة، لأن المعتزل عن الناس طالب للسلامة. وقرأ الجحدري : بفتح السين وسكون اللام. وقرأ أبو جعفر : مأمناً بفتح الميم أي : لا نؤمنك في نفسك، وهي قراءة : عليّ، وابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، ويحيى بن يعمر. ومعنى قراءة الجمهور ليس لإيمانك حقيقة أنك أسلمت خوفاً من القتل. قال أبو بكر الرازي : حكم تعالى بصحة إسلام من أظهر الإسلام، وأمر بإجرائه على أحكام المسلمين، وإن كان في الغيب على خلافه. وهذا مما يحتج به على توبة الزنديق إذا أظهر الإسلام، فهو مسلم انتهى. والغرض هنا هو ما كان مع المقتول من غنيمة، أو من حمل، ومتاع، على الخلاف الذي في سبب النزول. والمعنى : تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع الزوال. وتبتغون في موضع نصب على الحال من ضمير : ولا تقولوا، وفي ذلك إشعار بأن الداعي إلى ترك التثبت أو التبين هو طلبكم عرض الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة هذه عدة بما يسني الله تعالى لهم من الغنائم على وجهها من حل دون ارتكاب محظور بشبهة وغير تثبت، قاله الجمهور. وقال مقاتل : أراد ما أعده تعالى لهم في الآخرة من جزيل الثواب والنعيم الدائم الذي هو أجل المغانم.
﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ﴾ قال ابن جبير : معناه كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينكم، فهم الآن كذلك كل منهم خائف في قومه، متربص أن يصل إليكم، فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٧