القاعدين غير أولي الضرر، وأولي الضرر، والمجاهدين. والحسنى هنا : الجنة باتفاق. وقال عبد الجبار : هذا الوعد لا يليق بأمر الآخرة. ولما ذكر ما للمجاهدين من الحظ عاجلاً جاز أن يتوهم أنه كما اختص بهذه النعم، فكذلك يختص بالثواب. فبيّن أنَّ للقاعدين ما للمجاهدين من الحسنى في الوعد مع ذلك، ثم بيّن أنّ لهم فضل درجات، لأنه لو لم يذكر ذلك لأوهم أنّ حالهما في الوعد بالحسنى سواء انتهى. وانتصب كلاً على أنه مفعول أوّل لوعد، والثاني هو الحسنى. وقرىء : وكل بالرفع على الابتداء، وحذف العائد أي : وكلهم وعد الله.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٧
﴿لا يَسْتَوِى الْقَـاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَـاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِم فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَـاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَـاعِدِينَ دَرَجَةًا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَـاهِدِينَ عَلَى الْقَـاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَـاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةًا وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ قيل : الدرجات باعتبار المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة، والمغفرة باعتبار ستر الذنب، والرحمة باعتبار دخول الجنة. والظاهر أنّ هذا التفضيل الخاص للمجاهد بنفسه وماله، ومن تفرد بأحدهما ليس كذلك. ومن المعلوم أنّ من جاهد، ومَن أنفق ماله في الجهاد، ليس كمن جاهد بنفقة من عند غيره.
وفي انتصاب درجة ودرجات وجوه : أحدها : أنهما ينتصبان انتصاب المصدر لوقوع درجة موقع المرة في التفضيل، كأنه قيل : فضلهم تفضيله. كما تقول : ضربته سوطاً، ووقوع درجات موقع تفضيلات كما تقول : ضربته أسواطاً تعني : ضربات. والثاني : أنهما ينتصبان انتصاب الحال أي : ذوي درجة، وذوي درجات. والثالث : على تقدير حرف الجر أي : بدرجة وبدرجات. والرابع : أنهما انتصبا على معنى الظرف، إذ وقعا موقعه أي : في درجة وفي درجات. وقيل : انتصاب درجات على البدل من أجراً قيل : ومغفرة ورحمة معطوفان على درجات. وقيل : انتصبا بإضمار فعلهما أي : غفر ذنبهم مغفرة ورحمهم رحمة. وأما انتصابُ أجراً عظيماً فقيل : على المصدر، لأنّ معنى فضل معنى أجر، فهو مصدر من المعنى، لا من اللفظ. وقيل : على إسقاط حرف الجر أي بأجر. وقيل : مفعول بفضلهم لتضمينه معنى أعطاهم. قال الزمخشري : ونصب أجراً عظيماً على أنه حال من النكرة التي هي درجات مقدّمة عليها انتهى. وهذا لا يظهر لأنه لو تأخر لم يجز أن يكون نعتاً لعدم المطابقة، لأنّ أجراً عظيماً مفرد، ولا يكون نعتاً لدرجات، لأنها جمع. وقال ابن عطية : ونصب درجات، إما على البدل من الأجر، وإما بإضمار فعل على أن يكون تأكيداً للأجر، كما نقول لك : على ألف درهم عرفاً، كأنك قلت : أعرفها عرفاً انتهى. وهذا فيه نظر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّـاهُمُ الْمَلَـا ئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُم قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الارْضِ﴾ روى البخاري عن ابن عباس : أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم، أو يضرب فيقتل، فنزلت. وقيل : قوم من أهل مكة أسلموا، فلما هاجر الرسول أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة، فلما كان يوم بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فقتلوا ببدر فنزلت. قال عكرمة : نزلت في خمسة قتلوا يوم بدر : قيس بن النائحة بن المغيرة، والحرث بن زمعة بن الأسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف. وقال النقاش : في أناس سواهم أسلموا ثم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : غر هؤلاء دينهم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٧
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي : أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد، أتبعه بعقاب من قعد عن الجهاد وسكن في بلاد الكفر. قال ابن عباس ومقاتل : التوفي هنا قبض الأرواح. وقال الحسن : الحشر إلى النار. والملائكة هنا قيل : ملك الموت، وهو من باب طلاق الجمع على الواحدة تفخيماً له وتعظيماً لشأنه، لقوله تعالى :﴿قُلْ يَتَوَفَّـاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ هذا قول الجمهور. وقيل : المراد ملك الموت وأعوانه وهم : ستة، ثلاثة لأرواح
٣٣٣
المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين. ويشهد لهذا ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ وظلمهم أنفسهم بترك الهجرة، وقعودهم مع قومهم حين رجعوا للقتال، أو برجوعهم إلى الكفر، أو بشكهم، أو بإعانة المشركين، أقوال أربعة : وتوفاهم : ماض لقراءة من قرأ توفتهم، ولم يلحق تاء التأنيث للفصل، ولكون تأنيث الملائكة مجازاً أو مضارع، وأصله تتوفاهم.


الصفحة التالية
Icon