﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنا بَيْتِهِا مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِا ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُه عَلَى اللَّهِ﴾ قيل : نزلت في جندب بن ضمرة وتقدمت قصته قبل. وقيل : في ضمرة بن بغيض. وقيل : أبو بغيض ضمرة بن زنباع الخزاعي. وقيل : خالد بن حرام بن خويلد أخو حكيم بن حرام خرج مهاجراً إلى الحبشة، فمات في الطريق. وقيل : ضمرة بن ضمرة بن نعيم. وقيل : ضمرة بن خزاعة. وقيل : رجل من كنانة هاجر فمات في الطريق، فسخر منه قومه فقالوا : لا هو بلغ ما يريد، ولا هو أقام في أهله حتى دفن. والصحيح : أنه ضمرة بن بغيض، أو بغيض بن ضمرة بن الزنباع، لأنّ عكرمة سأل عنه أربع عشرة سنة، وصححه. وجواب الشرط فقد وقع أجره على الله، وهذه مبالغة في ثبوت الأجر ولزومه، ووصول الثواب إليه فضلاً من الله وتكريماً، وعبر عن ذلك بالوقوع مبالغة. وقرأ النخعي وطلحة بن مصرّف : ثم يدركه برفع الكاف. قال ابن جني : هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم، وفاعله. وعلى هذا حمل يونس قول الأعشى :
إن تركبوا فركوب الخير عادتناأو تنزلون فإنا معشر نزل
المراد : أو أنتم تنزلون، وعليه قول الآخر :
إن تذنبوا ثم يأتيني نعيقكمفما عليّ بذنب عندكم قوت
المعنى : ثم أنتم يأتيني نعيقكم. وهذا أوجه من أن يحمل على ألم يأتيك انتهى. وخرج على وجه آخر وهو :
٣٦
أن رفع الكاف منقول من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف كقوله :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٧
من عرى سلبي لم أضربه
يريد : لم أضربه، فنقل حركة الهاء إلى الباء المجزومة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن، ونبيح، والجراح : ثم يدركه بنصب الكاف، وذلك على إضمارات كقول الأعشى : ويأوي إليها المستجير فيعصما
قال ابن جني : هذا ليس بالسهل، وإنما بابه الشعر لا القرآن وأنشد أبو زيد فيه : سأترك منزلي لبني تميموألحق بالحجاز فأستريحا
والآية أقوى من هذا لتقدم الشرط قبل المعطوف انتهى. وتقول : أجرى ثم مجرى الواو والفاء، فكما جاز نصب الفعل بإضمار أنْ بعدهما بين الشرط وجوابه، كذلك جاز في ثم إجراء لها مجراهما، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلوا بهذه القراءة. وقال الشاعر في الفاء :
ومن لا يقدم رجله مطمئنةفيثبتها في مستوى القاع يزلق
وقال آخر في الواو :
ومن يقترب منا ويخضع نوؤهولا يخش ظلماً ما أقام ولا هضما
وقالوا : كل هجرة لغرض ديني من : طلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فراء إلى بلد يزداد فيه طاعة، أو قناعة، وزهداً في الدنيا، أو ابتغاء رزق طيب، فهي هجرة إلى الله ورسوله. وإنْ أدركه الموت فأجرُه على الله تعالى.
قيل : وفي الآية دليل على أن الغازي إذا خرج إلى العزو ومات قبل القتال فله سهمه وإن لم يحضر الحرب. روي ذلك عن أهل المدينة، وابن المبارك، وقالوا : إذا لم يحرم الأجر لم يحرم الغنيمة. ولا تدل هذه الآية على ذلك، لأن الغنيمة لا تستحق إلا بعد الحيازة، فالسهم متعلق بالحيازة، وهذا مات قبل أن يغنم، ولا حجة في قوله : فقد وقع أجره على الله على ذلك، لأنه لا خلاف في أنه لو مات في دار الإسلام وقد خرج إلى الغزو وما دخل في دار الحرب، أنه لا يسهم له، وقد وقع أجره على الله كما وقع أجر الذي خرج مهاجراً فمات قبل بلوغه دار الهجرة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي : غفوراً لما سلف من ذنوبه، رحيماً بوقوع أجره عليه ومكافأته على هجرته ونيته.
وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من البلاغة والبديع. منها الاستعارة في قوله : إذا ضربتم في سبيل الله، استعار الضرب للسعي في قتال الأعداء، والسبيل لدينه، وفي : لا يستوي عبَّر به وهو حقيقة في المكان عن التساوي في المنزلة والفضيلة وفي : درجة حقيقتها في المكان فعبر به عن المعنى الذي القتضى التفضيل، وفي : يدركه استعار الإدراك الذي هو صفة من فيه حياة لحلول الموت، وفي : فقد وقع استعار الوقوع الذي هو من صفات الإجرام لثبوت الأجر. والتكرار في : اسم الله تعالى، وفي : فتبينوا، وفي : فضل الله المجاهدين على القاعدين. والتجنيس المماثل في : مغفرة وغفوراً. والمغاير في : أن يعفو عنهم وعفواً، وفي : يهاجر ومهاجراً. وإطلاق الجمع على الواحد في : توفاهم الملائكة على قول من قال أنه ملك الموت وحده. والاستفهام المراد منه التوبيخ في : فيم كنتم، وفي : ألم تكن. والإشارة في كذلك وفي : فأولئك. والسؤال والجواب في : فيم كنتم وما بعدها. والحذف في عدة مواضع.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٧
٣٣٧
السلاح : معروف وما هو ما يتحصن به الإنسان من سيف ورمح وخنجر ودبوس ونحو ذلك، وهو مفرد مذكر، يجمع على أسلحة، وأفعلة جمع فعال. المذكر نحو : حمار وأحمرة، ويجوز تأنيثه. قال الطرماح :
يهز سلاحاً لم يرثها كلالةيشك بها منها غموض المغابن