والفتنة هنا هي التعرض بما يكره من قتال وغيره. ولغة الحجاز : فتن، ولغة تميم وربيعة وقيس : أفتن رباعياً. وقال أبو زيد : قصر من صلاته قصر، أنقص من عددها. وقال الأزهري : قصر وأقصر. وقرأ ابن عباس : أن تقصروا رباعياً، وبه قرأ الضبي عن رجاله. وقرأ الزهري : تقصروا مشدّداً، ومن للتبعيض. وقيل : زائدة. وقيل : الشرط ليس متعلقاً بقصر الصلاة، بل تم الكلام عند قوله : أن تقصروا من الصلاة، ثم ابتدأ حكم الخوف. ويؤيده على قول : أنّ تجاراً قالوا : إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي ؟ فنزلت : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، ثم انقطع الكلام. فلما كان بعد ذلك بسنة في غزاة بني أسد حين صليت الظهر قال بعض العدو : هلا شددتم عليهم وقد مكنوكم من ظهورهم ؟ فقالوا : إنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأولادهم، فنزلت :﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ صلاة الخوف. ورجح هذا بأنه إذا علق الشرط بما قبله كان جواز القصر مع الأمن مستفاداً من السنة، ويلزم منه نسخ الكتاب بالسنة. وعلى تقدير الاستئناف لا يلزم، ومتى استقام اللفظ وتم المعنى من غير محذور النسخ كان أولى انتهى. وليس هذا بنسخ، إنما فيه عدم اعتبار مفهوم الشرط، وهو كثير في كلام العرب. ومنه قول الشاعر :
عزيز إذا حلّ الخليقان حولهبذي لحب لجأته وضواهله
وفي قراءة أبيّ وعبد الله : أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم، بإسقاط إن خفتم، وهو مفعول من أجله من حيث المعنى أي : مخافة أن يفتنكم. وأصل الفتنة الاختبار بالشدائد.
﴿إِنَّ الْكَـافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ عدو : وصف يوصف به الواحد والجمع. قال : هم العدو، ومعنى مبيناً : أي مظهراً للعداوة، بحيث أنّ عداوته ليست مستورة، ولا هو يخفيها، فمتى قدر على أذية فعلها.
﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَواةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآاِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ﴾ استدل بظاهر الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلّم من لا يرى صلاة الخوف بعد الرسول حيث شرط كونه فيهم، وكونه هو المقيم لهم الصلاة. وهو مذهب : ابن علية، وأبي يوسف. لأن الصلاة بإمامته لا عوض عنها، وغيره من العوض، فيصلي الناس بإمامين طائفة بعد طائفة. وقال الجمهور : الخطاب له يتناول الأمراء بعده، والضمير في : فيهم، عائد على الخائفين. وقيل : على الضاربين في الأرض. والظاهر أنّ صلاة الخوف لا تكون إلا في السفر، ولا تكون في الحضر، وإن كان خوف. وذهب إليه قوم. وذهب الجمهور إلى أنّ الحضر إذا كان خوف كالسفر.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٣٧
ومعنى : فأقمت لهم الصلاة، أقمت حدودها وهيآتها. والذي يظهر أنّ المعنى فأقمت بهم. وعبر بالإقامة إذ هي فرض على المصلي في قول : عن ذلك. ومعنى : فلتقم هو من القيام، وهو الوقوف. وقيل :
٣٣٩
فلتقم بأمر صلاتها حتى تقع على وفق صلاتك، من قام بالأمر اهتم به وجعله شغله. والظاهر أنّ الضمير في : وليأخذوا أسلحتهم عائد على طائفة لقربها من الضمير، ولكونها لها فيما بعدها في قوله : فإذا سجدوا. وقيل : إن الضمير عائد على غيرهم، وهي الطائفة الحارسة التي لم تصل. وقال النحاس : يجوز أن يكون للجميع، لأنه أهيب للعدو : فإذا سجدوا أي : هذه الطائفة. ومعنى سجدوا : صلوا. وفيه دليل على أنّ السجود قد يعبر به عن الصلاة، ومنه :"إذا جاء أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" أي فليصل ركعتين.
﴿فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآاِكُمْ﴾ : ظاهره أن الضمير في فليكونوا عائد على الساجدين، والمعنى : أنهم إذا فرغوا من السجود انتقلوا إلى الحراسة فكانوا وراءكم. وقال الزمخشري : فليكونوا يعني : غير المصلين من ورائكم يحرسونكم، وجوز الوجهين ابن عطية، قال : يحتمل أن يكون الذين سجدوا، ويحتمل أن تكون الطائفة القائمة أولاً بإزاء العدوّ. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق : فلتقم بكسر اللام. وقرأ أبو حيوة : وليات بياء بثنتين تحتها على تذكير الطائفة، واختلف عن أبي عمرو، في إدغام التاء في الطاء. وفي قوله : فلتأت طائفة، دليل على أنهم انقسموا طائفتين : طائفة حارسة أولاً، وطائفة مصلية أولاً معه، ثم التي صلت أولاً صارت حارسة، وجاءت الحارسة أولاً فصلت معه. والظاهر أنّ الأمر بأخذ الأسلحة واجب، لأنّ فيه اطمئنان المصلي، وبه قال : الشافعي وأهل الظاهر. وذهب الأكثرون إلى الاستحباب.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٣٧