﴿وَلا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي : مخاصماً، كجليس بمعنى مجالس، قاله : الزجاج والفارسي وغيرهما. ويحتمل أن يكون للمبالغة من خصم، والخائنون جمع. فإنّ بني أبريق الثلاثة هم الذين نقبوا المشربة، فظاهر إطلاق الجمع عليهم وإن كان وحده هو الرّجل الذي خان في الدرع أو سرقها، فجاء الجمع باعتباره واعتبار من شهد له بالبراءة من قومه كأسيد بن عروة ومن تابعه ممن زكاه، فكانوا شركاء له في الإثم، خصوصاً من يعلم أنه هو السارق. أو جاء الجمع
٣٤٣
ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا يخاصم لخائن قط، ولا يحاول عنه. وخصيماً يحتاج متعلقاً محذوفاً أي البراء. والبريء مختلف فيه حسب الاختلاف في السبب : أهو اليهودي الذي دفع إليه طعمة الدّرع وهو زيد بن السمين، أو أبو مليك الأنصاري ؟ وهو الذي ألقى طعمة الدرع في داره لما خاف الافتضاح، أو لبيد بن سهل ؟ وقال يحيى بن سلام : وكان يهودياً. وذكر المهدوي أنه كان مسلماً. وأدخله أبو عمرو بن عبد البر في كتاب الصحابة، فدل على إسلامه كما ذكر المهدوي. ولما نزلت هذه الآيات هرب طعمة إلى مكة وارتد، ونزل على سلافة فرماها حسان به في شعر قاله ومنه :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤١
وقد أنزلته بنت سعد وأصبحتينازعها جلد استها وتنازعه
ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتمووفينا نبي عنده الوحي واضعه
فأخرجته ورمت رحله خارج المنزل وقالت : ما كنت تأتيني بخير أهديت لي شعر حسان، فنزل على الحجاج بن علاط وسرقه فطرده، ثم نقب بيتاً ليسرق منه فسقط الحائط عليه فمات. وقيل : اتبع قوماً من العرب فسرقهم فقتلوه.
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي : استغفر لأمتك المذنبين المتخاصمين بالباطل. قال الزمخشري : واستغفر الله مما هممت به من عقاب اليهودي. وقال الطبري والزجاج : واستغفر الله أي من ذنبك في خصامك لأجل الخائنين. قال ابن عطية : وهذا ليس بذنب، لأنه عليه السلام إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد برائتهم انتهى. وقيل : هو أمر بالاستغفار على سبيل التسبيح من غير ذنب أو قصد توبة، كما يقول الرجل : استغفر الله. وقيل : الخطاب صورة للنبي صلى الله عليه وسلّم، والمراد بنو أبيرق. وقيل : المعنى واستغفر الله مما هممت به قبل النبوّة.
﴿وَلا تُجَـادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ هذا عام يندرج فيه أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم. واختيان الأنفس هو مما يعود عليها من العقوبة في الآخرة والدنيا، كما جاء نسبة ظلمهم لأنفسهم. والنهي عن الشيء لا يقتضي أن يكون المنهى ملابساً للمنهى عنه. وروى العوفي عن ابن عباس : أن الرسول صلى الله عليه وسلّم خاصم عن طعمة، وقام يعذر خطيباً. وروى قتادة وابن جبير : أنه همّ بذلك ولم يفعله.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ أتى بصيغة المبالغة في الخيانة والإثم ليخرج منه من وقع منه المرة، ومن صدرت منه الخيانة على سبيل الغفلة وعدم القصد. وفي صفتي المبالغة دليل على إفراط طعمة في الخيانة وارتكاب المآثم. وقيل : إذا عثرت من رجل سيئة فاعلم أنّ لها أخوات. وعن عمر أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وقالت : هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه فقال : كذبت إنّ الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. وتقدمت صفة الخيانة على صفة المآثم، لأنها سبب للإثم خان فأثم، ولتواخي الفواصل.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ الضمير في يستخفون الظاهر : أنه يعود على الذين يختانون، وفي ذلك توبيخ عظيم وتقريع، حيث يرتكبون المعاصي مستترين بها عن الناس إنْ اطلعوا عليها، ودخل معهم في ذلك من فعل مثل فعلهم. وقيل : الضمير يعود على الصنف المرتكب للمعاصي، ويندرج هؤلاء فيهم، وهم أهل الخيانة المذكورة والمتناصرون لهم. وقيل : يعود على من باعتبار المعنى، وتكون الجملة نعتاً. وهو معهم أي : عالم بهم مطلع عليهم، لا يخفى عنه تعالى شيء من أسرارهم، وهي جملة حالية. قال الزمخشري : وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم عليه من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح انتهى. وهذا كقول الشاعر :
٣٤٤
يا للعجاج لمن يعصي ويزعم إذقد آمنوا بالذي جاءت به الرسل
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤١
أتى بجامع إيمان لمعصيةكلا أماني كذب ساقها الأمل
أي أن المعصية كلا أماني كذب ساقها الأمل الاستخفاء : الاستتار. وقال ابن عباس : الاستحياء استحى فاستخفى، إذ يبيتون ما لا يرضى من القول الذي رموا به البريء، ودافعوا به عن السارق. والعامل في إذ العامل في معهم، وتقدّم الكلام في التبييت.


الصفحة التالية
Icon